دراسة في رسالة بولس الرسول الى اهل غلاطية




تكشف الرسالة إلى أهل غلاطية عن قلب الرسول بولس الناري، حيث يُعلن أن اللَّه قد أفرزه من بطن أُمه لهذا العمل الفائق. لا هدف له إلا الدخول بكل نفس إلى إنجيل المسيح والتمتّع بقوة الصليب واهب الحرية الداخلية، من كل ضعف ومن كل خطية، بل ومن كل حرفية للناموس.
ينطلق الرسول بولس كما بأولاد اللَّه إلى الجلجثة، ليدركوا مفهوم الحرية الحقة القائمة على حب وبذل للأنا، فيعيش المؤمن بروح مُخلصه، يسوع المسيح، الذي بكمال حريته قدم حياته مبذولة لأجل الغير.
الحرية المسيحية ليست مجالاً للتهاون ولا للإباحية، إنما هي حرية الشخص الناضج المقدس الذي يدرك مسئوليته، فيعيش ملتزمًا تجاه إلهه، وتجاه نفسه وتجاه البشرية، حاملاً طاقات حب وتقديس لا يقدر العالم أن يحطمها

رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية تُصور مخلصنا كمحررٍ لنا، فقد حررنا (5: 1)، ووهبنا مفهومًا جديدًا للحرية.
اقتبس منها القديسون أغناطيوس الأنطاكي وبوليكريس ويوستين. كما نسبها القديس إيريناؤس صراحة إلى القديس بولس؛ ووردت في القانون المورتاني Muratorian Canon وفي كل القوائم الخاصة بالأسفار المقدسة التي أصدرتها المجامع الأولى. هذا وتقدم لنا الرسالة شهادة داخلية بذلك، حيث يُعلن كل سطر من سطورها قلم القديس بولس وشخصيته الفريدة.


تاريخ الرسالة وظروفها
لم يتفق الدارسون على هوية محددة للغلاطيين الذين كتب إليهم القديس بولس هذه الرسالة. فإذا تطلعنا إلى خريطة العصور القديمة لا تسعفنا، بسبب تغيرها المستمر.
الغلاطيون هم من سلالة السلتية Celts الذين استقروا في وسط آسيا الصغرى خلال القرن الثالث ق.م.

1. نظرية غلاطية الشمالية
بحسب هذه النظرية هذه الرسالة موجهة إلى سلالة الغلاطيين، أو إلى الكنائس التابعة لمملكة غلاطية القديمة القائمة في شمال وسط آسيا الصغرى (بسينوس Passinus، أنقرةAnycra، تافيوم Tavium). اضطر القديس بولس في رحلته التبشيرية الثانية أن يبقى في غلاطية بسبب مرضه ( أع 15: 6؛ غل 4: 13). كخادم للرب لا يعرف التعب، ولم يستطع المرض أن يلزمه بالصمت، بل صار يكرز بالإنجيل؛ وقد نجح في تأسيس الكنائس المسيحية هناك (1: 6). بحسب هذه النظرية كُتبت هذه الرسالة ما بين سنتي 53 و57م، من أفسس أو من مكدونية.

2. نظرية غلاطية الجنوبية
بعد موت أينتاسAyntas ملك غلاطية القديمة عام 25 ق.م، ضمت روما الأقاليم الجنوبية إلى الأقاليم في مقاطعة واحدة، دُعيت غلاطية. حسب هذه النظرية يرى بعض الدارسين أن الرسالة موجهة إلى الجماعات التي أسسها القدّيس بولس في رحلته التبشيرية الأولى في منطقة آسيا الصغرى الممتدة من شاطئ البحر داخليًا لتشمل لِستِرة ودِربة (أع 13: 27). هذه النظرية تضع الرسالة بين كتابات الرسول المبكرة، ربما عام 48م، أو حتى قبل ذلك، لكن غالبًا ما جاءت بعد مجمع أورشليم المذكور في أع 15، عام 49 أو 50م.

لاحق المعلمون الكذبة المدعوون “المتهودين” القديس بولس في غلاطية، وقاوموا تعاليمه الخاصة بتجاهل الأمم الداخلة الإيمان للطقس الحرفي الخاص بالشريعة، كما قاموا بالتشكيك في سلطانه الرسولي (1: 1-12). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بعض اليهود الذين آمنوا إذ غلبهم الميل إلى التهود، وفي نفس الوقت سكروا بحب المجد الباطل، أرادوا أن يقيموا أنفسهم في كرامة المعلمين، لهذا جاءوا إلى الغلاطيين وعلموهم بأن الختان وحفظ السبوت والاهتمام ببدء الشهور أمور جوهرية، وأنه لا يجوز طاعة بولس الذي ألغى هذه الأمور. كما قالوا بأن بطرس ويعقوب ويوحنا، قادة الرسل ورفقاء المسيح لم يمنعوا هذه الأمور... بولس يقف بمفرده، بينما هم الكثيرون أعمدة الكنيسة. لقد اتهموه أنه يلعب دورًا (له خطورته)، قائلين أن ذاك الرجل عينه الذي يمنع الختان، ويلتزم به في بلاد أخرى، فيكرز لكم بطريق ولآخرين بآخر.
كانت حجتهم الرئيسية هي أن شريعة موسى المتفق عليها عمل إلهي وأن المسيح قال إنه جاء “لا لينقض بل ليكمل الناموس” (مت 5: 17). لقد أكدوا أن الخلاص مستحيل بدونه، أما بالنسبة للأمم فلن يدركوا الخلاص ما لم يتهودوا أولاً. بمعنى آخر، أثقلوا على المؤمنين بنير التهود بجانب بساطة إنجيل المسيح. لقد ألقوا بضوء على دور بولس الرسولي، فحسبوه أقل خبرة وعلم من الإثنى عشر (1: 11-24). بهذا نجح المعلمون الكذبة في إثارة القلق والتشويش في ضمائر الغلاطيين، الذين كانوا يميلون شيئًا فشيئًا نحو إتباع تعاليمهم كطريق أكثر ضمانًا للخلاص؛ بهذا تصير المسيحية - بالنسبة لهم – مجرد طائفة من التهود.
يحسب مانك Munck أن مسببي هذه البلبلة لم يكونوا من أصل يهودي بل أممي، وأن قبولهم الإيمان بحماس دفعهم إلى الاعتقاد بأن التهود مرحلة لازمة لقبول الإنجيل. بينما كثير من مفسري الكتاب المقدس يرون أنه من الصعب تحديد هوية هؤلاء المعلمين الكذبة, بالإجمال غالبًا ما يرتبط هؤلاء بحركة التهود المذكورة في سفر الأعمال أصحاح 15.

سبب كتابة الرسالة:
ورد لبولس الرسول أن كنائس غلاطية وقعت فريسة لبعض اليهود المتنصرين المتعصبين للناموس، وهؤلاء ينادون بضرورة الختان والإلتزام بالناموس بالنسبة للمسيحيين، وأنه لا خلاص بدون حفظ الناموس والختان وأسماهم بولس بالإخوة الكذبة، فهم إخوة لأنهم متنصرين، وهم كذبة لأنهم رفعوا موسى فوق المسيح، هم تنصروا ولكن بقى فيهم الفكر اليهودي. وأسماهم أيضاً بالمزعجين إذ تابعوه وأثاروا الكنائس ضده في كل مكان (غل7:1+ أع12:18، 13).

وهاجم هؤلاء الإخوة الكذبة بولس الرسول وتهجموا على رسوليته قائلين إن الرسل الحقيقيين هم فقط الاثنى عشر، لذلك دافع بولس عن إرساليته من أول آية في الرسالة (غل1:1). ولو التزمت المسيحية بتعاليم هؤلاء لصارت المسيحية مجرد طائفة من طوائف اليهود. ولقد سميت المسيحية فعلاً أولاً الطريق (أع2:9) وسميت الشيعة (أع5:24، 14). والمعنى أن هؤلاء فهموا أنها طائفة يهودية، لكن لها طريق أو فهم مختلف (أع17:5).

ولأن هؤلاء المتهودين شككوا في صدق إرساليته لذا اضطر بولس أن يكتب عن نفسه وعن صدق وحق إرسالية المسيح له. بل وتكلم عن نفسه قبل إرساليته واعترف باضطهاده للمسيحيين في جهالة قبل أن يؤمن. ولاحظ أنه إذا ثبت صدق إرسالية المسيح لبولس ثبتت صدق تعاليمه. وهو يؤكد صدق إرساليته بأن التلاميذ الأعمدة اعترفوا برسوليته (9:2) وبأن الله اختاره وهو بعد في بطن أمه (15:1-17).

وهذه الرسالة هي دفاع ضد بدعة التهود، وفيها يشرح بولس أن التبرير يكون بالإيمان بدون ناموس، فالنعمة تحل تماماً محل أعمال الناموس. ونرى فيها أن عمل الروح القدس هو أن ينشئ الحياة الجديدة للمؤمن في المسيح يسوع. فالمؤمن يولد من الروح القدس في المسيح فيحسب ابناً حراً لله غير خاضع للناموس.

ولأن هؤلاء المتهودين قالوا إن ما يعلم به بولس ضد ما يعلم به الإثنى عشر الذين يسمحون بالختان وبحفظ السبت وغيره، اضطر بولس أن يشير لأن الله اختاره من بطن أمه وأن إرساليته هي من المسيح مباشرة، وليس من الإثنى عشر. لذلك فهو غير مخطئ في تعاليمه لأنها من السماء رأساً وهو فعل هذا ليثبت صدق الإنجيل، أي البشارة التي يبشر بها (غل11:1، 12) ثم يورد قصة الأزمة التي حدثت بينه وبين بطرس ليكشف عن عدم استقامة ما فعله بطرس إذ كان يفرق بين مسيحيي الأمم ومسيحيي الختان (الذين من أصل يهودي غل11:2-14). وبولس قصد إبراز هذه القصة ليبرز فيها خطأ الأخذ بضرورة الختان، لأن بطرس معروف عنه أنه بشر بيت كرنيليوس الأممي وعمدهم (دون أن يختتنوا) وهو صاحب قرار مجمع أورشليم الذي أقر فيه رسمياً أنه من غير الواجب أن يضاف على كاهل الأمم الداخلين للمسيحية شيئاً من أعمال الناموس (أع7:15-11). وبطرس فعل هذا ليس عن عقيدة إنما مجاملة لليهود . ونلاحظ أن هؤلاء المعلمين المتهودين إستندوا على مثل هذه المواقف (كموقف بطرس هنا) من الأمم ليثبتوا صحة عقيدتهم في ضرورة الإلتزام بالناموس.
وكان التلاميذ يخشون المجاهرة بعدم ضرورة حفظ الناموس أمام مسيحيي الختان الذين تربوا على الإلتزام بالناموس حتى لا يتشككوا في المسيحية، بل أن يعقوب أقنع بولس أن يتظاهر بحفظه للناموس أمام هؤلاء القوم (أع17:21-27) حتى لا يتشككوا مع عدم إقتناع يعقوب نفسه ولا التلاميذ بضرورة ذلك كما وضح في قرارات مجمع أورشليم.

ومن هنا نرى أن التهود (أي أن يلتزم الأممي الذي يدخل المسيحية بناموس موسى) كان مشكلة كبيرة جداً في بداية المسيحية، بل كان يمكنه هدم المسيحية لولا صلابة دفاع بولس الرسول ورفضه لمبدأ التهود. ولاحظ تردد بطرس الرسول في عماد كرنيليوس، أي (قبول الأمم) لولا رؤيا الملاءة، ثم حلول الروح القدس على كرنيليوس أمام بطرس (أع1:10-18:11).

دفاعه عن رسوليته:
قال المتهودون إن بولس لم يكن رسولاً حقيقيًا، فهو لم يرَ المسيح ولا رافقه؛ إنما الإثنا عشر وحدهم هم بالحقيقة تلاميذ، وهم لم يشيروا إلى إلغاء الناموس بالمسيح. لم يرسل المسيح بولس للتبشير، إنه مجرد ممثل للرسل الأصليين الذين تعلم منهم واعتمد عليهم وقد جاء دفاع بولس عن رسوليته نابعًا لا عن شعوره بجرح كبريائه، وإنما من أجل قارئيه الذين يتوقف قبولهم لتعاليمه على ثقتهم في موقفه الرسولي.

1. تعليمه مخوّل له من الله نفسه اصحاح 1: [10-24.] الله وحده هو الذي استطاع أن يحوله من مضطهد للكنيسة إلى كارزٍ في وقت قصير. لقد قبل إنجيله من الرب مباشرة، الذي تنازل وأعلن له كل معرفة دون وساطة بشرية. لقد أخذ الرسول موقفًا حازمًا، وهو أن كل من تجاسر بالكرازة بإنجيل آخر غير الذي بشر به هو في زيارته الأولى التأسيسية لهذه الكنائس فليكن محرومًا، إذ هم بالحق مدانون من قبل الله. ما بشر به هو الأخبار السارة، لا توجد غيرها أخبار سارة!
v إن سُئِلَ بولس أن يثبت بأن اللَّه نفسه هو الذي أعلن له أسراره غير المنطوق بها مباشرة، وهو يقدم حياته الماضية مثالاً مبرهنًا أنه لو لم يكن تحوّله بإعلان إلهي لما حدث ذلك بطريقة مفاجئة
القديس يوحنا الذهبي الفم


2. يُذَّكر القديس بولس قارئيه بالخلفية اليهودية التي عاشها، وأسلوب حياته قبل تمتعه بخبرة التحول في الطريق إلى دمشق. كان قائدًا في الديانة اليهودية يحتل مقامًا عظيمًا، الأمر الذي يجاهد المتهودون الناموسيون المقاومون له أن يبلغوه بمزج إنجيل النعمة بالأفكار اليهودية الحرفية. كان يضطهد المسيحيين بإفراطٍ شديدٍ، وكان يتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابه من بني جنسه، إذ كان أوفر غيرة في تقليدات آبائه، وأكثرهم عملاً وحماسًا. لكنه ترك هذا من أجل ما هو أفضل. لقد أخذ إعلان النعمة بطريقة إلهية، وصرح به قبلما يرى أحدًا من الرسل الآخرين بزمنٍ طويلٍ.

v هذا هو بُرهانه؛ إن كانت جهودي ضد الكنيسة نبعت عن باعث ديني لا بشري، مع أن غيرتي كانت خاطئة، فكيف يحركني المجد الباطل وأنا أناضل لحساب الكنيسة وقد اعتنقت الحق؟... ما أن اجتزت إلى تعاليم الكنيسة حتى تخلصت من تعصبي للديانة اليهودية، مظهرًا بهذا غيرة أكثر اتقادًا كدليل على إخلاصي في تحولي، وأن الغيرة التي تملكتني هي من فوق. أية دوافع أخرى إذن أمكنها أن تدفعني إلى هذا التغيير، إذ قايضت الكرامة بالازدراء، وعِوض الطمأنينة دخلت في ضيقات؟ حقًا لا شيء سوى محبة الحق
القديس يوحنا الذهبي الفم


3. حقًا حدث تحوله وهو في الطريق إلى دمشق حين كان يضطهد كنيسة المسيح، بل يضطهد المسيح نفسه من أجل "التهوّد". لكن دعوته بواسطة النعمة الإلهيّة بدأت وهو في بطن أمه [15]، كما فعل اللَّه مع إرميا (1: 5) وإشعياء (42: 1). لقد أفرزه لمهمة خاصة، دعاه، ثم أعلن له عن حقيقة الابن وعمله الفدائي على الصليب، لكي يبشر العالم غير اليهودي.
v لماذا يقول: "أن يُعلن ابنه فيّ" [16] ولم يقل "لي"؟ لكي يُشير إلى أنه لم يتقبل تعليم الإيمان خلال الكلمات فقط وإنما بغنى الروح الذي وهب له - الإعلان الذي أنار نفسه كلها، وأن المسيح صار يتكلم فيه.
"لأبشر به بين الأمم" [16]، فإنه ليس فقط إيمانه، بل واختياره للعمل الرسولي قد انبثقا من اللَّه... كان يجب أن يوجد تمايز بين الكرازة لليهود والكرازة للأمم.
القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى العلامة أوريجينوس في كلمات الرسول الخاصة بفرزه للعمل وهو في بطن أُمه [15] برهانًا على إرسال اللَّه ملائكة حراسًا لنا حتى قبل ولادتنا.

4. حياته الكنسية: لم يتجاهل القديس بولس الذي قبل الإنجيل من السيد المسيح نفسه المجتمع الكنسي، كما سنرى في لفاءاته مع القديس بطرس وغيره من قادة الكنيسة.

5. تظهر سلطة أو قانونية إنجيل القديس بولس في توبيخه للقديس بطرس (2: 11-12)، مبرهنًا بذلك أن القديس بطرس لم يكن أعظم منه كرسولٍ، فقد أشار إلى كيفية توبيخه له جهرًا، إذ سلك بوجهين بخصوص التقاليد اليهودية حين كان في أنطاكية.

يُشير القديس بولس إلى ثلاثة لقاءان مع القديس بطرس وغيره من الرسل، ليؤكد أن اتصالاته الأخوية معهم لم تكن بغرض أخذ تفويض منهم للكرازة.

اللقاء الأول مع القديس بطرس (1: 18-24): يؤكد القديس بولس نوعًا من استقلاله عن رسل أورشليم (عدم الاعتماد عليهم كوكيلٍ عنهم كما ادعى المتهودون)، لكن ليس بأسلوب فردي. فقط بعد عبور ثلاث سنوات من تحوله عن الفريسية اليهودية إلى الكرازة بيسوع بكونه المسيا، ذهب إلى أورشليم "ليتعرف" على بطرس [18.] يقول: "ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي" [17]. يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [هكذا لا يتحدث بعجرفة إنما ليظهر كرامة مهمته، إذ تكرارًا قالوا بأن الرسل جاءوا قبله، وكانت دعوتهم سابقة له، لهذا يجيب: "ولا صعدت إليهم". لو كان لزامًا عليه أن يتصل بهم لكان قد أمره المسيح بذلك عندما أعلن له عن مهمته.]

قبل صعوده إلى أورشليم انطلق إلى العربية [17]، ثم رجع أيضًا إلى دمشق [17]. تشير "العربية" غالبًا إلى مدينه جنوب دمشق، في مملكة الـNabataeans وليس إلى منطقة سيناء. لم يسجل الرسول لنا ما فعله خلال هذه السنوات الثلاث. إن كان قد رأى بعض الآباء أن الرسول قد بدأ بالكرازة في الحال لكن كثيرين الآن يفضلون الاعتقاد بأنه كرس حياته في ذلك الوقت للصلاة والتأمل.

v لاحظ هنا تواضعه، إذ لم يتحدث عن نجاحه (في العربية)، ولا عن من هم الذين علمهم وما عددهم. إنما هكذا كانت غيرته (للخدمة) في الحال بعد عماده، إذ حير اليهود، وأثار سخطهم ضده فتربّصوا له مع اليونانيين لقتله، الأمر الذي ما كان يحدث (أي كراهيتهم له) فلجأوا إلى القتل. هذه علامة تظهر تفوّق بولس عليهم. لم يذكر (الرسول) شيئًا عن هذا النجاح، وهكذا في كل أعماله لم يكن الطموح دافعه، ولا نوال كرامة أعظم من الرسل، ولا استمات لينال تقديرًا ساميًا، إذ يدعو نفسه سقطًا، أول الخطاة، آخر الرسل.
القديس يوحنا الذهبي الفم

زار أورشليم ليلتقي بالقديس بطرس [18]، وهناك رأى القديس يعقوب أخا الرب وأسقف أورشليم. كانت مهمته الكبرى أن يعلن بأنه لا يعمل بروح فردي، منفصلاً عن قادة الكنيسة، وأن يؤكد لهم أن تحوله حقيقي. لقاءات القديس بولس المتتالية مع الرسل لم تضف شيئًا إلى إعلان إنجيل النعمة الإلهية له، إنما اعترفوا تمامًا برسوليته ورسالته.

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم الملاحظات التالية:
أ. يقول القديس بولس إنه "رأى" القديس يعقوب [19]، ولم يقل إنه تعلم منه. ويمكننا القول إنه ذهب هناك "ليتعرف" على القديس بطرس [19] لا ليتعلم منه.

ب. يذكر القديس يعقوب بوقار إذ يقول: "أخا الرب" [19]، فهو خالٍٍ من كل حسد.

ج. خلال شفافية نفسه المقدسة المتواضعة، جاء تبريره لنفسه عظيمًا كمن يقدم حسابًا عن أعماله، مدافعًا عن نفسه كمن في دور العدالة [20.]

د. يُشير إلى رحلته التبشيرية للكرازة في المناطق القريبة من موطنه الأصلي "مدينة طرسوس"، في أقاليم كيليكية وسوريا [21] (بأنطاكية)، ليُعلن أن إرساليته كانت للأمم، وأنه لم يعزم أن يبني فوق أساس أقامه غيره (رو 15: 20).

هـ. يقول بولس: "ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون أن الذي كان يضطهدنا قبلاً يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه" [22-23]. في تواضعه ذكر حقيقة اضطهاده للكنيسة، وعند تحوله وتبشيره لم يعجبوا به شخصيًا ولا نال إطراءهم أو دهشتهم، إنما مجدوا الله فيه [24]، ناسبًا كل شيء إلى النعمة الإلهية.
"مجدوا الله"، بمعنى أنه أراد أن يعرّفهم بأنه لا توجد عداوة بينه وبين الكنائس التي هي من أصل يهودي، فإنه وإن كان لم يبشرهم لكنهم فرحوا بعمل اللَّه به في المجتمعات الأممية. يرى القديس أغسطينوس أنهم مجدوا اللَّه لأنهم اعتادوا الصلاة من أجل أعدائهم ومضطهديهم لكي يحولهم السيد المسيح إلى الإيمان. سألوا هذا من الله قبلما يتحقق

من بين البراهين التي قدمها الرسول بخصوص رسوليته لقاءاته مع الرسل. في الأصحاح الأول تحدث الرسول عن اللقاء الأول مع القديس بطرس، وفي الاصحاح الثاني يحدثنا عن اللقاءين الثاني والثالث.

1. اللقاء الثاني مع القديس بطرس 1-10.
2. اللقاء الثالث مع القديس بطرس 11-21.

1. اللقاء الثاني مع القديس بطرس
حث اللَّه القديس بولس لزيارة قادة أورشليم مرة أخرى بعد مرور أربعة عشر عامًا على تحوله[38]، أو ربما بعد زيارته الأولى. يرى بعض الدارسين أن هذه الزيارة تطابق ما ورد في (أع11: 29-30) حيث قام الرسول بها ليسد احتياجتهم أثناء المجاعة.

تختلف هذه الزيارة عن السابقة من عدة أوجه:
1. رافق القديس بولس برنابا (اليهودي) وتيطس (الأممي) [1]، ليُعلن حبه لكل المؤمنين، أيا كان أصلهم، ولكي يحملا شهادة جديرة بالثقة ضد متهميه، بأن الرسل لم يجدوا تعارضًا في كرازته بل أمَّنوا عليها.

2. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن رحلته الأولى كانت بناء على رغبة الرسول لزيارة بطرس، أما هذه الرحلة فكانت بناء على إعلان الروح. فلماذا هذا الإعلان بعد أربع عشرة سنة ليصعد ويتشاور مع الرسل لئلا يكون على أي حال قد سعى أو يسعى باطلاً ؟]
v لو أنه صعد دون إعلان، لكان التصرف فيه جهالة... يقول: قد صعدت وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به، ليس لأتعلّم، وإنما لأقنِع المتشككين إنني لا أسعى باطلاً. إذ سبق فرأى الروح أن هذا الخلاف سيحدث، لهذا دبر أن يصعد الرسول ويتصل (بالرسل)[39].
القديس يوحنا الذهبي الفم


3. لم يكن هذا اللقاء مع صفا وحده، بل ومع المعتبرين أيضًا؛ تحقق هذا اللقاء لا بطريقة عامة بل انفراديًا [2]؛ لماذا؟
v لو أنه أنتهك (طقس) الناموس أو مُنع الختان لاستاء كل من في أورشليم؛ كما يقول يعقوب: "أنت ترى أيها الأخ كم يوجد رَبوة من اليهود الذين آمنوا وهم جميعًا غيّورون للناموس، وقد أُخبروا عنك أنك تُعلّم... ألا يسلكوا حسب الناموس" (راجع أع 21: 20). إذ كانوا (اليهود المتعصّبون) يقاومونه، لهذا لم يطرح أمر تعليمه على الجماهير، لكنه تشاور بالإفراد مع المعتبرين...
القديس يوحنا الذهبي الفم

4. يُشير إلى هدف زيارته ونتيجتها. هدفها هو عرض الإنجيل الذي يبشر به بين الأمم لمدة 17 (أو 14) عامًا على المعتبرين أعمدة، ليس لأنه كان متشككًا من جهة تعليمه، وإنما من أجل نفع قابلي الإيمان، فيجد سندًا له من القادة ولا يضايقهم المتهودون ( الإخوة الكذبة) [4].
v عظيمة هي رغبته أن يكون حاملاً تصديقًا ومساندة من أولئك الذين تحت كل الظروف ينظر إليهم كمتحالفين مع التهود.
العلامة ترتليان

v هنا يبرز سؤال في غاية الأهمية: من كان هؤلاء الإخوة الكذبة؟ إن كان الرسل قد سمحوا بالختان في أورشليم، فلماذا يدعى الذين يشتركون معهم ويتفقون معهم في الحكم الرسولي "إخوة كذبة"؟
أولاً، لأنه يوجد فارق، بين الأمر بشيء لكي يتم وبين السماح به بعدما تم... أظهر (الرسل) سماحًا به كنوعٍ من التنازل لليهود، أما الإخوة الكذبة فقد أرادوا أن يحرموهم من النعمة ويخضعوهم تحت نير العبودية من جديد.

ثانيًا، سلك الرسل هكذا في اليهودية حيث كان الناموس نافذًا، أما الإخوة الكذبة فسلكوا في كل مكان، وتأثر الغلاطيون بهم، بهذا بدت نواياهم لا للبناء بل لهدم الإنجيل تمامًا...
أشار إلى عدائهم بدعوتهم جواسيس [4]، لأن هدف الجاسوس الأوحد هو أن يهيئ لنفسه ما يدمر ويخرب بمعرفته مركز عدوه المضاد؛ هذا ما فعله الذين أرادوا العودة بالتلاميذ إلى العبودية. هكذا يظهر كيف كان غرضهم مضادًا تمامًا لهدف الرسل. قدم الأخيرون امتيازًا بأن يحرروهم من عبوديتهم بالتدريج، أما الأولون فقد خططوا أن يخضعوهم لعبودية أكثر حدة
القديس يوحنا الذهبي الفم

أصر القديس بولس ألا يخضع للإخوة الكذبة، بقوله: "الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة" [5].

v لاحظ هنا قوة العبارة وتأكيدها. لا يقل "بالحوار"، وإنما "بالخضوع"، لأن هدفهم لم يكن تعليم العقائد الصالحة، وإنما إخضاعهم واستعبادهم، لذلك يقول إننا نذعن للرسل(6) وليس لهم...
"وأما المعتبرون أنهم شيء مهما كانوا لا فرق عندي. الله لا يأخذ بوجه إنسان" [6]. هنا ليس فقط لا يدافع عن الرسل؛ وإنما أيضا يهاجم هؤلاء القديسين من أجل نفع الضعفاء...
"فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا عليّ بشيء" [6]... لم يعارضني الرسل بل تآلفت آراؤنا وتوافقت. هذا يظهر من التعبير "أعطوني يمين الشركة" [9].
القديس يوحنا الذهبي الفم


لم تنحصر هذه المقابلة في عدم إضافة شيء إلى إنجيله فحسب، وإنما أخذوا قرارات خاصة بتقسيم حقل الخدمة إلى كرازة لليهود وأخرى للأمم. فصارت كرازة القديس بولس الرئيسية وسط الشتات، أي للأمم (واليهود) الساكنين خارج فلسطين. أما القديس بطرس ورفقاؤه فيستمرون في مزاولة عملهم الكرازي في فلسطين (أورشليم) [7-9]. لاحظ مرة أخرى مدى حرص القديس بولس على تقديم نفسه كرسولٍ على نفس المستوى تمامًا مع الرسول بطرس, وإنه لا يوجد إنجيلان، إنما هما إرساليتان لإنجيلٍ واحدٍ حق، وذلك بمثابة إعلان عن وحدة الكنيسة والوحدانية في المسيح للاثنين معًا اليهود والأمم مبنيين على وحدة الإيمان.

يرى كثير من المفسرين أن (أع 15: 1-29) يقابل ما ورد هنا حيث يحسب ما جاء هنا تكملة لما حدث في مجمع أورشليم.

أشار القديس بولس إلى تيطس الأممي غير المختون ذاكرًا أن المعتبرين أعمدة لم يُلزموه بالختان [3-5]. يعتقد بعض المفسرين أن التشديد هنا على كلمة "يلزموه"، وأن تيطس حقًا قد وافق أن يختتن بناء على حوار مع بولس يخص علاقته بأورشليم[43]، فصار موقف تيطس شهادة على إقراره الأعمدة في الكنيسة على إنجيل بولس .

أما "يمين الشركة" التى أعطيت لبولس فيراها القديس أغسطينوس تعنى: [علامة التناغم والتوافق، أن ما أخبرهم به لا يختلف عن (منهجهم) بأي وجه من الوجوه

يذكر القديس بولس اعتناءه بالفقراء من اليهود [10]. فإن كان من جهة الكرازة قسّم العالم بينهم، فصار هو كارزًا للأمم وهم لليهود، لكن بخصوص الاهتمام بالفقراء من اليهود ساهم بنصيبه (رو25:15).

2. اللقاء الثالث مع القديس بطرس
تم هذا اللقاء بعد عام 50م, قبل كتابة هذه الرسالة. فقد جاء القديس بطرس إلى أنطاكية وهى مركز عمل كرازي مسيحي أممي واختلط في حرية مع جميع المؤمنين القادمين من الوثنية كما من اليهودية. ولكن عندما وصلت مجموعة من المتهودين قادمين من أورشليم بدء بطرس يتراجع عن الرفقاء وشركة الطعام. لاحظ القديس بولس إن كثيرين من اليهود المسيحيين بدأوا يحتذون به لذلك واجهه كرسول مثله ووبخه علانية. هنا يستشهد القديس بولس بكلماته التي وجهها للقديس بطرس [15-16] عندما وبخه، ليؤكد حقيقة توافقهم المشترك، أن التبرير بالنعمة لا بطقوس ناموس موسى، وأيضا ليُظهر أن سلوك القديس بطرس لم يقم على تغير فكري جوهري بخصوص طبيعة الإنجيل ومضمونه، إنما بسبب انضمامه برياء ليمثل أناسًا معينين. هدف القديس بولس في رسالته إلى غلاطية ليس سردًا تاريخيًا وإنما الإرشاد
.
يرى العلامة ترتليان والقديسون أغسطينوس وكبريانوس وأمبروسيوس وكيرلس الاسكندري أن القديس بطرس سلك هكذا عن ضعف؛ أما القديسان جيروم ويوحنا الذهبى الفم فلهما رأي مخالف، وهو أنه سلك هكذا ليعطي القديس بولس رسول الأمم الفرصة ليشرح أن التبرير بالإيمان لا بأعمال الناموس.

v كثيرون عند قراءتهم السطحية لهذا الجزء من الرسالة يظنون أن بولس قد اتهم بطرس بالرياء. لكن الأمر غير هذا؛ حقًا لم يكن هكذا، بل كان مختلفًا تمامًا. فستكتشف حكمة عظيمة من جهة الاثنين: بولس وبطرس مختفية هنا لأجل منفعة السامعين...
صرح الرسل في أورشليم كما قلت سابقًا أن قطع أعمال الناموس بطريقه مفاجئة أمر غير عملي؛ لكنهم عندما جاءوا إلى أنطاكية لم يستمروا في حفظها، بل عاشوا دون تمييز بين المؤمنين القادمين من الأمم، هذا ما فعله بطرس أيضًا في ذلك الحين. ولكن عندما جاء البعض من أورشليم، وسمعوا عن التعليم الذي نُودي به هناك توقف (بطرس) خوفًا من أن يربكهم، مغيرًا تصرفاته، واضعًا سرًا أمام عينيه أمرين: هما تجنب الإساءة إلى اليهود وإعطاء الفرصة لبولس بحجه معقولة أن يوبخه. لقد سمح بالختان عند تبشيره في أورشليم ثم غير مسلكه في أنطاكية، لأن مسلكه كان يبدو لدى هؤلاء المتهودين ناشئًا عن خوفه من بولس، وبهذا كان تلاميذه يدينونه على تهاونه الشديد. هذا (أي بقاؤه يأكل مع المؤمنين من الأمم غير المختونين) كان يخلق عثرة ليست بقليلة، أما بالنسبة لبولس الذي كان على علمٍ يقينٍ بكل الحقائق، فإن انسحاب بطرس ما كان يسبب تشككًا فيه، إذ هو عارف ما هيّة دوافعه في هذا التصرف. لهذا قام بولس بالتوبيخ وخضع بطرس حتى إذ يُلام السيد ويصمت تمكن للتلاميذ أن يتقبلوا الموقف...
كما خضع بولس للرسل في أورشليم، خضعوا هم له بالمثل في أنطاكية.
v لم يكن هدف بولس إصلاح بطرس، لكنه قصد بالنقد القاسي الموجه إليه إصلاح التلاميذ، ليس فقط الذين في غلاطية بل وكل الذين يشتركون في ذات الخطأ.
القديس يوحنا الذهبى الفم


ذُكرت هنا كلمات التحذير والإرشاد الموجه إلى القديس بطرس بقصد نفع الغلاطيين. في هذه الكلمات يصف القديس بولس نفسه كيهودي بالميلاد أو بالطبيعة [15]، ثم يسترسل مؤكدًا أن هذا الميراث اليهودي في ذاته ليس طريقًا للتبرير (انظر في 2: 3 - 11)، فالأمم في نظر اليهود خطاة [15]، لأنهم لم يشاركوا في الميراث اليهودي القومي ممثلاً في الناموس والعهد. أما بالنسبة لبولس فاليهود كما الأمم خطاة (رو 3: 2223). الجميع على حد سواء يحتاجون إلى نعمة الله التي يتقبلونها خلال الإيمان (رو 24:3 - 25)[47] .
في نظر القديس بولس، الأبعاد الجذرية للخطية هي الكبرياء والافتخار، الأمر الذي إستُعبِد له كل من اليهود (رو 17:2، 23) والأمم (1 كو 19:1-31).

عبرَّت الآيات (19-21) عن الأوجه الأساسية للحياة الجديدة:
1. "لأني مُت بالناموس للناموس لأحيا لله" [19], يموت المسيحي للناموس إذ يشارك المسيح في صلبه وقيامته [20]، فيبلغ بهذا الحياة الجديدة، الحياة المقامة، وهكذا يتجرد حكم الناموس من قوته.

v يمكن أن يُفهم بمعنى آخر: يطالب الناموس بتنفيذ كل وصاياه، معاقبًا من يعصيها، لهذا صرنا نحن جميعًا أمواتًا للناموس، إذ لا يوجد من يتمم كل الوصايا. لاحظ هنا قوله: "لأني مت"، إذ لم يقل: "مات الناموس لي"، إنما "مت أنا للناموس"، بمعنى أنه كما يستحيل على جسد ميت أن يطيع أوامر الناموس، هكذا بالنسبة لي أنا الذي هلكت بلعنته وقتلتني كلمته (حكمت علىٌ بالموت).
v لئلا يعترض أحد قائلاً إنه يجب أن أكون موضوعيًا: كيف أنت حي مع إنك قد "مُت"؟ لذلك يضيف علة حياته، مظهرًا أنه حين كان حيًا قتله الناموس، وإذ صار ميتًا أحياه المسيح بالموت.
v "لأني مت بالناموس للناموس، لأحيا لله" [19]، بمعنى أنه بالتفسير الروحي للناموس مات عن التفسير الحرفي (الجسدي) له. ونحن بناموس ربنا يسوع صرنا أمواتًا للناموس الذي يعاقب بهذه الأحكام المهلكة[48].
القديس أمبروسيوس


2. "مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيٌ؛ فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني، وأسلم نفسه لأجلى" [20]. لقد صُلب ربنا لا لأنه خاطىء وإنما لكي يفدي بحبه الخطاة. ونحن، كأعضاء جسده يليق بنا أن نشاركه حبه العملي خلال:
v صلبنا معه (20).
v صلب الجسد (24:5).
v صلب العالم لنا (6: 14).
v صلبنا نحن للعالم (14:6).
بهذا الصلب أقبل (السيد المسيح) بكونه قيامتي وحياتي، قائلاً إنني مع المسيح صُلبت، لكنني أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيٌ (كو 4:3).
"مع المسيح صلبت" [20]0 يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الكلمات تشير إلى ألمعمودية. بالشركة مع المسيح في صلبه وموته يموت الشخص عن إنسانه القديم، ويتحرر من طاغية الماضي ومن (محبة) العالم ومن الأنا ego0 وبالشركة في قيامة المسيح يعيش الإنسان لله متحررًا من أجل ممارسة الحياة الملتزمة وقبول الطاعة بشكر.
"مع المسيح صلبت"؛ الصيغة اليونانية (فعل تام) تشير إلى أن الحالة التي اكتسبها الإنسان يوم تبريره بالمعمودية لا تزال قائمة[49].
v "مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيٌ"، حياتنا يا إخوتي ما هي إلا جحد للجسديات، والاستمرار بثبات فيما يخص مخلصنا وحده.
v لأن هذه هي الحياة الحقة التي يعيشها الإنسان في المسيح، فبالرغم من أن (المؤمنين) أموات عن العالم لكنهم يعيشون كمن هم في السماء، مهتمين بالأمور العلوية. من يحب مثل هذه السكنى يقول: "إن كنا نسير على الأرض لكننا نقطن في السماء"[50].
البابا أثناسيوس الرسولى


v التعبير"أحيا لا أنا" يصدر عن صوت من يجحد نفسه؛ يلبس المسيح ويلقى ذاته جانبًا، وذلك لكي يسكن المسيح فيه بكونه البرّ والحكمة والتقديس وسلامنا (1 كو 30:1؛ أف 14:2)، وقوة الله، الذي يعمل كل شيء فيه[51].
العلامة أوريجينوس

يقول العلامة أوريجينوس: [أن السيد المسيح يحيا فينا [20]، لهذا عند صلبه قال لأمه بخصوص القديس يوحنا: "يا إمرأة هوذا ابنك " (لأن السيد المسيح ساكن فيه)، وهكذا كل من يصير كاملاً لا يحيا لذاته بل يحيا المسيح فيه.]

3. تُمارس الحياة الجديدة ونحن في الجسد [20]، أي ونحن بعد في العالم. لا يفترض القديس بولس مطلقًا أن الحياة المسيحية تستوجب الانسحاب من العالم، إنما بالإيمان يشترك المؤمن وهو في العالم في صلب السيد المسيح و قيامته، فيموت عن الإنسان العتيق و يحيا لله في المسيح.

4. يُعرف القديس بولس مضمون هذا الإيمان ودافعه إنه إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي. فالصلب هو عمل قراري فيه عطاء الذات (النفس) للغير من أجل الحب (4:1). أننا ننتفع بآلام السيد المسيح بالإيمان، حيث ننالها في طاعة شاكرة لوصية الحب (6:5؛ 13=25؛ يو 13:9). الحب هو تسليم كامل غير مشروط لإرادة الله وهو عطاء النفس للغير؛ هذا ما يعلنه حب الله الذبيحي على الصليب.


براهين القديس بولس في سطور
v يرى اليهود أنهم ليسوا خطاة كالأمم [15]. لهذا كانوا في حاجة إلى أعمال الناموس، ليكتشفوا إنهم خطاة، وفي حاجة إلى مخلص الخطاة. أما الأمم الذين لم ينكروا أنهم خطاة فليسوا في حاجة إلى الناموس.

v عندما آمن اليهود بالسيد المسيح مخلص الخطاة اعترفوا أنهم خطاة؛ وعودتهم إلى أعمال الناموس بعد قبولهم بالإيمان يعنى عجز المسيح عن أن يبررهم فيرجعون إلى الناموس كي يبررهم. وكأنهم يرجعون إلى الناموس كخطاة، فيُحسب المسيح خادم الخطية؛ حاشا![52] بمعنى آخر كأنهم يُعلنون أنهم بالمسيح اكتشفوا أنهم خطاة ويحتاجون إلى الناموس ليبررهم.

يجدر بنا ملاحظة أن القديس بولس لم يرفض التقليد اليهودي بكليته. فقد اقتبس في هذه الرسالة من التقليد اليهودي، بل واستخدم هذه الاقتباسات ليؤكد أنه ليس فقط الأمم وإنما اليهود أيضًا يجب أن يتبرروا بالإيمان. استخدم الاقتباسات ضد المتهودين أنفسهم، كما سنرى في الأصحاحين الثالث والرابع.

القديس بولس والحياة الكنسية
كما سبق فرأينا، أكد القديس بولس أنه لم يكن تلميذًا لأي رسول، وإنما كان مساوٍ لهم، وذلك لأجل نفع سامعيه. هذا لا يعنى أنه حمل اتجاهًا فرديًا منعزلاً. فقد دعاه السيد المسيح نفسه ومع ذلك وجهه إلى حنانيا، لا ليعتمد فحسب وإنما لكي يتعلم (أع 6:9). وهبه الله استنارة الذهن والقلب، وأعلن له أسراره من أجل الطريق الجديد: التبشير بين الأمم. حتى في هذا كان على اتصال بالرسل أيضًا، لا عن تشكك، وإنما لإعطاء قوة لرسالته، وللدفاع عن نفسه أمام الإخوة الكذبة.

v عندما دعا المسيح بشخصه بولس وتحدث معه، كان يمكنه أن يفتح أمامه طريق الكمال مباشرة، لكنه بالحرى اختار أن يوجهه إلى حنانيا، وأوصاه أن يتعلم منه طريق الحق (أع 6:9).
يقول "وإنما عرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالإنفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً" [2]. ولكن إذن يعتمد على نفسه وحده ويكون أعمى إذ يتجاسر ويثق في حكمه الذاتي وتمييزه، بينما يعترف الإناء المختار أنه كان في حاجة إلى الاجتماع مع رفقائه الرسل! هكذا نرى بوضوح أن الرب نفسه لا يُظهر طريق الكمال لمن أُعطيت له فرصة التعلم، لكنه يحتقر تعاليم الشيوخ واختباراتهم، غير مبالٍ بالقول: "اسأل أباك فيخبرك وشيوخك فيقولون لك " (تث 7:32).
الأب موسى

سمات الرسالة
1. تحمل هذه الرسالة قلب الرسول الملتهب، كتبها بغيرة في قوة مع عمق المشاعر. ألقى الرسول بنفسه بلا تحفظ لإعلان الإنجيل، فجاءت تحمل قوة فريدة بين كتاباته. أهميتها الرئيسية لاهوتية، فيها نلتقي بالكثير من الموضوعات التي لها وزنـها في تعاليم القديس بولس، مثل التبرير بالإيمان العامل بالمحبة، الحياة الجديدة في المسيح، التزامات الحب، مفهوم الصليب، ناموس المسيح، عمل الناموس الموسوي، السلوك بالروح

2. يظهر القديس بولس في هذه الرسالة حازمًا، لأن الأمر كان خطيرًا، إذ بدأ كثيرون يتحولون عن بساطة الإنجيل إلى التهود كعمل ضروري للخلاص.
v المقدمة غنية بروح عالية ملتهبة؛ ويمكننا القول بأنه ليس فقط المقدمة، وإنما الرسالة كلها (ملتهبة). لأنه عندما يكون الإنسان لطيفًا مع تلاميذه حتى عندما يحتاجون إلى العنف، فإنه لا يقوم بدور معلم وإنما بدور مفسد وعدو...

اختلف حديث بولس مع تلاميذه حسب احتياجاتهم، فيستخدم أحيانٍا العصا وأخرى العلاج اللطيف. يقول لأهل كورنثوس: “ماذا تريدون؛ أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟” (1 كو 4: 21)، بينما يقول للغلاطيين: “أيها الغلاطيون الأغبياء” (غل 3).
القديس يوحنا الذهبي الفم


3. تكشف هذه الرسالة عن التنظيمات الكنسية وهيكلها (تكوينها) أيام القديس بولس. يُدعى صفا (القديس بطرس) والقديس يعقوب أخو الرب والقديس يوحنا “رسل أورشليم” (1: 18-19؛ 9:2). كما نقرأ هنا عن أمورٍ لاهوتية عملية وتنظيمات لحقول الخدمة على أساس خاص بالجنس (من أصل يهودي أو أممي)، والجدال الذي قام بين رسولين (2: 11-14)

4. تمدنا هذه الرسالة بمعلومات قيمة عن حياة القديس بولس الرسول الخاصة وخدمته. مع هذا لم يهدف القديس بولس إلى تقديم معلومات خاصة بحياته، إنما ذكرها عرضًا خلال سياق مجادلاته.
يقسم الدارسون الرسالة إلى: عرض شخصي، أحاديث لاهوتية، تطبيقات عملية، وإن كان الهدف واحدًا، وهو تحقيق الحرية العملية في السيد المسيح، بكونها المفهوم الحق للإنجيل المعاش.

5. مفهوم الحرية: تقدم لنا الرسالة ربنا بكونه المحرر، كما أوضحت الحرية المسيحية. يقدم ربنا نفسه كمحرر، قائلاً: “إن حرّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا “ (يو 8: 36).
من التهوّر أن نقول إن الحرية هي تحرر من القانون (الشريعة). بهذا تصير ثورة ضد اللَّه ونظامه، وتتحول حضارتنا إلى نوعٍ من البربرية. الحرية هي تحرر في الناموس؛ على سبيل المثال عندما ندخل حديقة عامة أول ما نشاهده لائحات كُتب عليها: "لا تمشى على الحشائش»، « ممنوع اصطحاب الكلاب"، "لا تقطف ورودًا". مثل هذه القوانين تحافظ على الحديقة المفتوحة للكل. هكذا يليق بالمسيحي أن يترك الناموس لا ليصير حرًا يسلك بذاته حسب هواه، إنما ليسلك بالروح القدس بكونه قائد حياتنا (5: 25).
يقول V.P. Furnish: [يبدو أن مشكلة بولس في نظر قلة من المفسرين أنه كان يصارع مع فريقين مختلفين: فريق ناموسي من جهة وفريق متحرر (متسيب) من الجانب الآخر. فكان ملتزمًا بالصراع مع جبهتين متضادتين في وقت واحد. هذا المأزق يوضح لنا مدى ارتباكه (40:2)، وتنقله الواضح ما بين التشديد من جهة خطورة الناموسيين (ص 1-4) وخطورة المتحرّرين (ص 5-6).

6. ضمت هذه الرسالة الحديث عن كثير من الأمور المتقابلة أو المضادة لبعضها:
أ. النعمة والناموس (2: 21): لا يمكننا القول بأن "النعمة ضد الناموس"، لأن كلمة "ناموس" هنا تُستخدم بمعنى حفظ الطقوس الناموسية14، أي ممارسة الطقوس الواردة في الشريعة بطريقة حرفية تفسد الإيمان الذي نناله بالنعمة. يكشف لنا الناموس عن حاجتنا إلى النعمة، التي تعني حنو اللَّه لنا الذي لا نستحقه، والذي يشبع احتياجاتنا.

ب. الإيمان وأعمال الناموس (15:2-20): بالإيمان نقبل النعمة الإلهية، أما حفظ أعمال الناموس فيكشف عن ضعفنا. يؤكد القديس بولس أن الإيمان الحقيقي لا يمكن عزله عن الأعمال الصالحة، أي عن الأعمال الروحية التي هي عمل الروح القدس في حياة المؤمنين. حقًا إن هذه الرسالة تركز على عمل الروح القدس في حياة المؤمنين كمصدر تقديسنا، لكنه "الإيمان العامل بالمحبة" (6:5). عمليًا لا نقدر أن نفصل بين الإيمان الحقيقي والأعمال الصالحة. فاللص الذي شهد للسيد المسيح أثناء الصلب، شهادته هي إيمان حق، لكنها هي عمل صالح، لأنه صنع أفضل بكثير مما فعله التلاميذ. الشهادة في مثل هذه الظروف هي عمل إيماني صالح.

ج. ثمر الروح وأعمال الجسد (5: 19 - 6: 6): يعطينا الروح غلبة يومية على الخطية بينما يستعبدنا الجسد لها.

د. الصليب والعالم (6: 14): الصليب يعني بذل "الأنا"، بينما محبة العالم تعني "الأنانية". بالصليب نقتني المجد الداخلي الذي يقابله المجد الباطل أو مجد هذا العالم الزائل.

هـ. مقابلات أخرى، مثل: "في الخطية" و"الخلاص من الخطية" (4:1) "إنجيل آخر، وإنجيل المسيح" (1: 6-9)؛ إرضاء الناس وإرضاء اللَّه (10:1)؛ الاتكال على الفكر البشري وإعلان يسوع المسيح (1: 11؛ 2: 14)، الدينونة والتبرير (6:3-16)، فقدان في آدم، وخلاص في المسيح (3: 19-22)، خدام مستعبدون وأبناء ورثة (4: 1-7)، عهد قديم وعهد جديد (4: 10-31)، نمو في النعمة وسقوط من النعمة (5: 6)، السلوك بالروح وتكميل شهوة الجسد (5: 17، 18) الخ.

7. الحياة المسيحية - كما جاءت في هذه الرسالة - لا تعرف التطرف:
v نفهم الحرية كتحرر من عبودية الطقس الحرفي لأعمال الناموس، لكنها ليست خروجًا عن ناموس المسيح.
v الحياة المسيحية حياة شخصية، تلاقٍ قوي وخفي مع اللَّه؛ إذ يختار اللَّه المؤمن ويدعوه؛ دون تجاهل لحياته الكنسية أو حياته وسط الجماعة.
v المؤمنون جميعًا واحد في المسيح، لكنه يوجد من هم أعمدة في الكنيسة.

8. في هذه الرسالة نرى ربنا يسوع المسيح محررنا، جاء ليهبنا حرية وقوة. لقد دُعي "حامل خطايانا" (4:1) ومخلصنا (3: 13؛ 4: 5) ولعنة لأجلنا (3: 13) ونسل (المرأة) (3: 19؛ 4:4) ومقد سنا (2: 16؛ 3: 24).

9. إذ تركز هذه الرسالة على نعمة اللَّه التي تحررنا من نير ناموس موسى، تكشف عن عمل الثالوث القدوس في حياة المؤمنين كواهب للحرية الداخلية:
يُدعى الآب "أبانا الذي له المجد إلى أبد الآبدين" (1: 4)، يحبنا كأبناء له، نتمجد معه أبديًا. هذه هي حريتنا، أن نتشبه به، فيصير لنا القلب المتسع الذي يحب إخوتنا في البشرية لكي يشاركونا مجدنا السماوي. بمعنى أن الآب يهب الحب الروحي الجامع نحو كل بشر.
الابن هو محررنا الذي دفع دمه الثمين ليهبنا الحرية من:
- الخطية (1: 4).
- هذا العالم الحاضر الشرير (1: 14).
- عبودية إرضاء الناس (1: 10).
- لعنة الناموس (3: 13).
- عبودية أعمال الناموس (4: 19).
- تحت الوصاية (4: 1-6).
يهبنا الابن الشركة في صلبه، أي بذل "الأنا"، بكونه الحرية الحقة. صار هو عبدًا من أجلنا، ونحن بإرادتنا الحرة نود أن نكون عبيدًا لأبناء اللَّه في المسيح يسوع.
الروح القدس هو روح التبني وليس روح العبودية؛ يعمل فينا ليحضرنا للآب في المسيح كأبناء له أحرار. لهذا كثيرًا ما يُشير الرسول إلى الروح القدس بكونه
- الموعود به (3: 14).
- المرسل (4: 6).
- الخادم (العامل فينا) (3: 5).
- يُنال بالإيمان (3: 2).
- الساكن في قلوبنا (4: 6).
- الذي يبدأ بالعمل (3:3).
- القائد (5: 18).
- الغالب شهوة الجسد (5: 16-18).
- واهب الثمر (5: 22-24).
- معطى الرجاء (5:5).
- مقدم الثقة (في الوعود) (6: 8).
يسمي بعض الدارسين هذه الرسالة "كتاب لوثر"، لأنه كثيرًا ما اعتمد عليها في كتاباته ومجادلاته ضد المفهوم اللاهوتي المنتشر في أيامه، وقد اعتاد هو أن يلقبها "كتابي".


اقسام الرسالة:
المسيح محررنا
الأصحاح الأول (إنجيل واحد)
الأصحاح الثاني (دفاع عن رسوليته)
الأصحاح الثالث (التبرير بالإيمان)
الأصحاح الرابع (أبناء وورثة)
الأصحاح الخامس (الحرية المسيحية)
الأصحاح السادس (الحرية والحب العملي)



محتويات الرسالة
1. المقدمة (1: 1-10).
أ. التحية (1-5).
ب. ظروف كتابتها (6-10).
2. توضيح شخصي: دفاعه عن سلطانه الرسولي (1: 11-2: 14)
أ. يكرز بالإنجيل الحق (1: 6-11).
ب. مدعو من اللَّه (1: 12-17).
ج. شركته مع غيره من الرسل في ذات الإنجيل (1: 18- 2: 10).
د. انتهاره للقديس بطرس (2: 11-21 ).
3. عرض لاهوتي: التبرير بالإيمان (ص4,3):
أ. خبرة الغلاطيين للإنجيل ( 3: 1-5).
ب. خبرة إبراهيم (3: 6-9).
ج. لعنة الناموس (3: 10-14).
د. عدم بطلان الوعد (3: 15-18).
ه. غاية الناموس (3: 19-25).
و. أبناء لا عبيد (3: 26-4: 11).
ز. مناشدتهم أن يتحرروا من الناموس (4: 12-20).
ح. رمزية قصة هاجر وسارة (4: 21-31).
4. التطبيق العملي: الحرية المسيحية (ص5، 6):
أ. الخطورة عليها من الناموسية (5: 1-12).
ب. تعريفها (5: 13-15).
ج. حسن استخدامها (5: 16-26).
د. إعلانها عمليًا (6: 1-10).
ه. ارتباطها بالصليب (6: 11-16).
و. ثمنها (6: 17).
ز. بركتها (6: 18).