(969ـ1171)


الأب أنطون فؤاد
(المصدر الأول)






عند الكلام عن تاريخ الكنيسة القبطية تحت حكم الخلافة الفاطمية لا يمكننا الحديث عن ملامح عامة لحكمهم, وذلك لتباين الأسلوب من خليفة لأخر, فمنهم من رفع الأقباط واستوزرهم, ومنهم من أضطهدهم اضطهاداً شديداً وعنيفاً بهدف القضاء عليهم. لذا اثناء دراستنا سنتعرض لبعض الخلفاء بشكل فردي لندرس علاقتهم بأهل الذمة عامة وبالأقباط خاصة. ولكن كملاحظة عامة يمكن القول أن الفاطميين أستطاعوا القضاء نهائياً على نفوذ الأقباط لدرجة لم يعد لهم ذكر في الحقبات التالية.
اسس الفاطميون دولتهم في بلاد المغرب, بعيداًعن عاصمة وتأثيرالخلافة العباسية, وذلك لاتباعهم المذهب الشيعي. بوفاة كافور الأخشيدي عام 968, تولى حكم مصر ابنه وكان صبياً ذا إحدى عشر عاماً, لذا حدثت اَضطرابات كثيرة في البلاد شجعت الفاطميين في الهجوم على مصر والإستيلاء على الحكم فيها, فأرسل الخليفة المعز لدين الله جيشاً بقيادة جوهر الصقلي, الذي تمكن من فتح مصر عام 969م.
لم يتحرك المصريون لصد هجوم الفاطميين ولكن سعى فقط البشموريون لمعاونة الأخشيديين في صد الهجوم الفاطمي, لكن جهودهم بائت بالفشل وقضى جوهر الصقلي عليهم نهائياً.
بنى جوهر الصقلي مدينة القاهرة لتكون عاصمة للفاطميين, وبنى بها المسجد الجامع (الجامع الأزهر) على اسم فاطمة الزهراء بنت الرسول, ليكون مسجداً لاتباعهم من الشيعة حتى لا يختلطوا بالسنة في مساجدهم.

1. الأقباط تحت حكم المعز وولاية جوهر الصقلي (969ـ976)
كانت شخصية المعز طيبة مع الكل, واقتدى به قائده جوهر الصقلي, فاحسن معاملة المصريين جميعاً, وحكم بينهم بالعدل و الانصاف, دون تمييز بين مسلم وذمي, وابقى على أبو اليمن قزمان بن مينا وزير كافور الأخشيدي وزيراً له, ووثق به فخوله سلطات أوسع. قد يعود هذا لتأثير نشأة جوهر الصقلي عليه؛ فقد كان يونانياً قدم هدية كعبد للخليفة المعز, وثق به الخليفة ولما اسلم عينه قائداً لجيوشه, لذا ظل يعرف في كتابات المؤرخين باسم جوهر الرومي.
لا يذكر شيئاً بخصوص الأقباط في فترة المعز سوى تعصب مسلمي تانيس, الذين كانوا يرفضون المذهب الشيعي, فسعوا لخلق القلاقل في البلاد عن طريق تعديهم على المسيحيين, بنهب اموالهم, وخطف بناتهم ونسائهم والتعدي عليهم في الشوارع, بهدف إثارة الفاطميين وجرهم لمحاربتهم حتى يظهروا للعامة كمحاربين للمسلمين من اجل المسيحيين. رغم كون المعز متسامحاً مع الأقباط؛ إلا أنه لكي يكسب ود المسلمين السنة, بدأ في إظهار النفور تجاه أهل الذمة, فاصدر قراراته بالغاء مظاهر الاحتفال بعيد النيروز, كذلك أوقف مشاركة الحاكم في احتفالات عيد الغطاس والتي بدأها كافور الأخشيدي من قبل, لكن هذا لا يغير كونه قد سعى لتعيين الأقباط كمعاونين له في إدارة الأمور المالية والإدارية, خاصة في بداية حكمه لما لمسه من رفض اهل السنة له.
القضية الشائكة الخاصة بالمعز هي قضية تحوله للإيمان المسيحي, وتقبله لسر المعمودية. يذكر هذا الحدث كل من ألفريد بتلر, كذلك يذكرها أبن المكين في القرن الرابع عشر, ولكن ينكرها معظم المؤرخين المسلميين المعاصرين, وتقول هذه القصة أنه تقبل سر المعمودية سراً وتنازل عن الخلافة لأبنه العزيز بأمر الله وصرف أيامه الخيرة في أحد الأديرة. يحكي يحي بن سعيد الأنطاكي المتوفي سنة 1066, في كتابه "صلة كتاب سعيد بن بطريق المسمى التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق" إن خبر موت المعز ظل مكتوماً زهاء ثمانية أشهر.

2. الأقباط تحت حكم العزيز بأمر الله (976ـ996)
تولى حكم الخلافة أثر تنازل والده المعز عنها عام 976, تشهد أقوال المؤرخين عن تسامحه في معاملة الأقباط ملكيين ويعاقبة, وتقريبهم إليه في الوظائف, كذلك اهتمامه بعمارة الكنائس وحراسة العمال القائمين من هوجات الغوغاء من المسلمين عليهم. عمل العزيز على إلغاء الفوارق الاجتماعية بين المسلمين والذميين, بل أنه دعا إلى المساواة بين كل المصريين دون اللنظر للدين.
تزوج العزيزمن أمرأة مسيحية ملكانية, وظلت زوجته وكذلك ابنته منها حريصتين على رعايا المسيحيين وخاصة الخلقدونيين, لذا عين العزيز تحت إلحاح زوجته نسيبيه أرسين وأرستيد بطريركين ملكانيين أحدهما للاسكندرية والآخر لأنطاكية.
بلغت الخلافة الفاطمية في عهد العزيز أوج عظمتها, سواء على المستوى العسكري من خلال الحروب والانتصارات التي أحرزها على البيزنطيين, سواء على المستوى الإداري من خلال تنظيمه للأمور الإدارية وبيت المال من خلال تحديد مرتبات ثابتة للموظفين والقضاء على الرشوة.
ينتقده المسلمون كثيراً لاعتماده على أهل الذمة في الوظائف العليا, كذلك اعتماده على من تراهم العامة مسلمين اسماً, كيعقوب بن كلس, الذي كان يهودياً واعتنق الإسلام طمعاً في الوزارة, فعينه المعز مستشاراً له وأميناً على بيت المال ثم عينه العزيز وزيراً له. بعد موت يعقوب بن كلس أختار العزيز عيسى بن نسطورس, المسيحي, ليكون وزيراً له. كذلك شرع للمرة الأولى بعدم تنفيذ حد الردة القاضي بمعاقبة من يترك الإسلام ويعتنق المسيحية بالموت. أمر العزيز بنقل كرسي البطريرك الغير خلقدوني من الاسكندرية إلى القاهرة ليكون قريباً منه, وأجله كثيراً وفوض له أمر ترميم وبناء الكنائس , وحين اعترض الغوغاء من المسلمين العمل عين جنوداً لحراسة العمل والعمال (مثل أثناء العمل في كنيسة القديس مكاريوس بالفسطاط), كذلك معاقبته للعامة المهاجمة للروم والمسيحيين في الاسكندرية بعض حرق بعض الاسطول المعد لمحاربة البيزنطيين, ووصل عقابه إلى إعدام بعضهم.
لا شك ان علاقة الخليفة بالمسيحيين تركت أثرأ سلبياً في نفوس المسلميين, وإن كانوا لم يقوموا بأعمال إنتقامية ضدهم في عهده فذلك لخوفهم فقط من عقاب الخليفة, ولكن تأصل الكره داخلهم نحو أهل الذمة بوجه عام ونحو الأقباط بوجه خاص, ووجد هذا الكره متنفسه يشكل كبير وقت حكم الحاكم بأمر الله.

3. الاقباط تحت خلافة الحاكم بأمر الله (996ـ1020)
قد لا توجد شخصية تاريخية بين حكام مصر مثيرة للجدل ونشرت حولها القصص المتضاربة مثل الحاكم بامر الله الفاطمي, هو ابن العزيز من زوجته المسيحية, تولى الخلافة خلفاً لأبيه وهو في سن الحادية عشر, لذا تولى الحكم تحت وصاية برجوان السلافي (الصقلي), والذي كانت فترة وصايته مليئة بالإضطرابات نتيجة صراعه مع قائد الجيوش أبو محمد الحسن بن عمار, والذي كان بدوره سابقاً قد قتل عيسى بن نسطورس وتولى موقعه ككاتم لأسرار الخليفة ورئيس ديوانه.
بعد انفراد برجوان بالسلطة عين فهد بن ابراهيم وهو قبطي كاتباً له وكاتماً لاسراره ومنحه لقب الرئيس.
عام 1000 أمر الخليفة باغتيال برجوان, وذلك لشعوره بسعي الآخير للإستئثار بالسلطة, عقب هذا الإغتيال استدعى الخليفة فهد بن ابراهيم وطمئنه واستوزره. لما كثرت الدسائس حول فهد, فهم الخليفة الرسالة الموجهة له وهي أن الجموع لا تريد وزيراً مسيحياً, فسمح باغتياله, ولكن حرص على حماية ابنائه حتى لا يتعرضوا هم أيضاً للقتل أو النهب.
تزعم المسلمين في دسائسهم ضد الأقباط اثنان من الكتاب هما أبو طاهر و أبن العداس الكاتبان, والذان وصلا إلى أعلى المناصب نتيجة دسائسهما, وقد عملا الأثنان على تنفيذ مخطط معاد للمسيحيين في مصر وسوريا.
رغم بداية عهد الحاكم بأمر الله بالعطف والثقة في المسيحيين, إلا أنه أمام رغبة المسلمين السنة ودسائسهم, وحتى يوطد أركان حكمه, أمر بقتل عدد من أعيان الأقباط, كذلك فصل عدداً آخر من وظائفهم, ولن يستبق منهم في الوظائف سوى من لا يستطيع الإستغناء عنه.
عام 1004, وبعد أن وطد الحاكم سلطته, بدأ في إضطهاد الأقباط والسنة , فالزم الأولين بلبس الغيار (ملابس مغايرة لملبس المسلمين), وعلق في مساجد السنة عبارات اهانة لأبي بكر وعمر وعثمان وعائشة, كذلك منع بعض الأطعمة المفضلة للمصريين.
عام 1008 شدد الحاكم بأمر الله القيود على زي الأقباط, ومنع أثريائهم من أقتناء العبيد او استخدام المسلمين. كذلك أمر بهدم عدد من الكنائس بالقاهرة, كما أمر بهدم كنيسة القيامة بالقدس وهو الحدث الذي لاقى الرفض ليس فقطمن مسيحي الشرق بل أيضاً من مسيحي الغربز
عام 1009 اصدر الحاكم بأمر الله أوامره بإلغاء الأعياد المسيحية, ومنع المجاهرة بالاحتفال بها في جميع البلاد, كذلك صادر أوقاف الكنائس والأديرة لحساب بيت المال, كما أمر بنزع الصلبان من الكنائس.
عام 1011 أصدر الحاكم بأمر الله أمراً بأن يعلق الأقباط حول عنقهم صليباً من الخشب (أو من الرصاص) طوله زراع ووزنه خمسة أرطال, ونفذ هذا الأمر على العامة كما على الموظفين الأقباط دون أستثناء (سبب تسمية الأقباط بالعظمة الزرقاء).
عام 1013 اصدر أمراً بهدم وسلب الكنائس والأديرة الموجودة في الديار المصرية بلا إستثناء, وأوكل إلى موظفيه متابعة التنفيذ أو يعرضوا للعقاب, ويقال أن عدد الكنائس والأدير التي هدمت في مصر والشام بلغ ثلاثين ألف كنيسة ودير.
مع كل قرار من قرارات الحكم بامر الله السابقة كان جمهور الغوغاء من المسلمين يجدها فرصة لتنفيث عدائهم للمسيحيين, ووصل بهم هذا العداء إلى نبش قبور المسيحيين وأخذ عظامهم واستخدامها كوقود. يمكن القول أن الحاكم بأمر الله حتي لا يواجه فئتين مخالفتين له في الملة هما الأقباط والسنة, كثف من إضطهاد الأقباط ليضعهم بين خيارين هما الموت أو قبول الاسلام, وهذا الأخير لجأ كثيرون من المسيحيين إليه هرباً من الإضطهاد وليس حباً في الاسلام. كذلك هرب كثير من الأقباط إلى مناطق الإمبراطورية البيزنطية, وعاد الأقباط للممارسة طقوسهم الدينية سراً كما كان المسيحيون الأوائل. هكذا يمكن القول أن أقصى إضطهاد واجه الأقباط بعد إضطهاد دقلديانوس كان إضطهاد الحاكم بأمر الله, هذا الإضطهاد الذي لم يتطوع مؤرخ مسلم واحد لتبريره, وإن كان البعض سعى لتخفيف وحشيته بنسبها إلى إختلال قوى الحاكم العقلية, والذي يرد على عدم صحته بالتساؤل كيف يتسنى لمختل أن يحكم سيطرته على إمبراطورية كبيرة وهو في سن السادسة عشر كما فعل هو.
كان الحاكم بأمر الله يتبع الطائفة الإسماعيلية كإحدي طوائف الاسلام الشيعي, وقد بالغ الحاكم بأمر في تدينه حتى وصل إلى ادعاء الألوهية, ويرى آخرون أن ادعاء الألوهية تطور طبيعي للمذهب الاسماعيلي, ولكن الذي لا يفهم هو انه بعد أربعة سنوات من إدعائه الألوهية, وتحديداً عام 1018, بدأ من جديد في أظهار التسامح نحو الأقباط, منحهم حق إعادة إعمار الكنائس والأديرة والعودة إلى إقامة الصلوات بها, كذلك رد أوقاف الكنائس والأديرة والسماح لبعض المرتدين عن المسيحية بالعودة إليها, كذلك في العام نفسه 1018 حرر أمراً بإعادة بناء كنيسة القيامة من جديد , ولكن هذا الأمر نفذ في خلافة أبنه. يذكر سعيد الأنطاكي المؤرخ صداقة الحاكم بأمر الله مع الأنبا صلمون أسقف دير سانت كاترين ودير القصير الملكاني, كذلك أرتدائه ملابس الرهبان في قصره وفي تحركاته, بل يذكر ذات المؤرخ أن الحاكم صرف من ماله على إعمار دير القصير وكان يشرف على العمل بنفسه.
أما عن أختفاء الحاكم, فيظل أختفاء وموت الحاكم بأمر الله سراً يحيط به الغموض, فقد أختفى نهائياً أثناء أحدى جولاته ولم يعد. ينسب البعض أختفائه كنتيجة لإغتياله في مؤامرة من تدبير أخته ست الملك, في حين يرى البعض أنه هو مدبر أختفائه بدليل تركه لوالدته أموال, كذلك منعه لخدامه أن يتبعوه في تلك الجولة, وأياً كان عن موته وإختفائه تبقى الحقيقة الوحيدة أن فترة حكم الحاكم كانت فعلياً فترة القضاء نهائياً على نفوذ الأقباط بحيث لم يعد لهم تأثير في المجتمع فيما بعد, ويمكن التدليل على أحوال الأقباط في عهده بما ذكره المقريزي في كتابه الخطط ج4, ص 398ـ400 فيقول " قدم اليعاقبة زخارياس بطريركاً, فأقام ثماني وعشرين سنة منها في البلايا مع الحاكم بأمر الله تسع سنين, فإعتقله منها ثلاثة أشهر, وأمر به فالقي للسباع هو وسوسنة النوبي فلم تضره{... وفي بطريركته نزل بالنصارى شدائد لم يعهدوا مثلها, وذلك أن كثيراً منهم كان قد تمكن من أعمال الدولة حتى صاروا كالوزراء, وتعاظموا لاتساع أحوالهم وكثرة أموالهم فاشتد بأسهم وتزايد ضررهم ومكايدتهم للمسلمين, فأغضب الحاكم بأمر الله ذلك, وكان لا يملك نفسه إذا غضب, ... وأخذ (الحاكم بأمر الله) في هدم الكنائس كلها واباح ما فيها, وما هومحبس عليه (موقوف عليها) للناس, نهباً وإقطاعاً, فهدت بأسرها, ونهب جميع أمتعتها, وأقطع أحباسها (أوقافها), وبنى في مواضعها المساجد, وأذن بالصلاة في كنيسة شنودة بمصر, وأحيط بكنيسة المعلقة في قصر الشمع, وكتب إلى ولاة الأعمال بتمكين المسلمين من هدم الكنائس والديارات (الأديرة), فعم الهدم فيها من سنة 403ﻫ (1013) ذكر من يوثق به في ذلك أن الذي هدم ألى آواخر 405ﻫ (1015) بمصر والشام وأعمالها من الهياكل نيف ثلاثون ألف بيعة, ونهب ما فيها من ألات الذهب والفضة وقبض على أوقافها, وكانت أوقافها جليلة ... فاجتمعوا بأسرهم تحت قصر من القاهرة, واستغاثوا ولاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا من النفي, وفي هذه الحوادث اسلم كثير من النصارى"[1] .

4. الأقباط تحت حكم الظاهر لأعزاز دين لله الفاطمي (1020ـ1036)
هو أبن الحاكم بأمر الله, تولى الحكم خلفاً لأبيه, وفي وقته تزايد نفوذ عمته ست الملك, التي ظلت في عطفها على الأقباط , وساندت كثيراً البطريرك الخلقدوني وأجزلت له العطايا.
اتبع الظاهر سياسة متسامحة مع الأقباط فأقر الردة صراحة, حيث سمح للأقباط المتحولين للاسلام خوفاً في عهد والده بالعودة للمسيحية, حيث أعطاهم الحرية والأمان في ممارسة إيمانهم على أن يدفعوا الجزية عن الفترة التي قضوها في الاسلام, وأقر هذا الخليفة على أن أختيار الدين لابد أن يتم بحرية وليس تحت إكراه.
وقع الظاهر عام 1027 إتفاقية سلام مع الإمبراطور قسطنطين الثامن, إمبراطور القسطنطينية, يتم بموجبها ذكر اسمه والدعاء له في المساجد الواقعة في الإمبراطورية البيزنطية على أن يسمح للإمبراطور بإعادة بناء كنيسة القيامة, وهذا ما نفذه الإمبراطور فوراً.
يمكن القول مجملاً أنه في عهد الظاهر نال الأقباط حريتهم واستعادوا ثقتهم وطمأنينتهم, ووصل بعض الأقباط في غناهم شأناً عظيماً.

5. الأقباط تحت حكم الخليفة المستنصر بالله الفاطمي (1036ـ1095)
حكم الخليفة المستنصر البلاد فترة طويلة, إذ أرتقى العرش في السابعة من عمره, كانت خلافته مليئة بالإضطرابات, فقد عمت الفوضى الداخلية أركان الخلافة, زادت في عهدة مساوئ المرتزقة الأتراك حتى وصلت إلى نهب قصر الخليفة نفسه, اشتبك في عهده الجند الأتراك مع الجند السود في معارك طاحنة, كذلك وصلت البلاد في عهده لحالة شديدة من القحط حتى لم يجد الناس ما يأكلوه, تتابع الوزراء دون جدوى, لذا سعى الخليفة في طلب بدر الجمالي (كان عبداً ارمنياً فاسلم, ثم تدرج في الوظائف العليا), ولم يسعى الخليفة في هذا إلا كنتيجة لفشل الوزيرين "اليازوري" و "قصر الدولة" في اصلاح حال البلاد, ويذكر على هاذين الوزيرين مبالغتهما في إضطهاد الأقباط, وابتزاز أموالهم, وغلق كنائسهم وهدمها أيضاً.
يذكر عن بدر الجمالي أنه كان من أقوى الشخصيات التي حكمت مصر الاسلامية, فقد وضع قبل استوزاره شروطه للخليفة ورفض محاولة الآخير مناقشتها. لكي يدير البلاد اعتمد على فرق من الأرمن والجنود السوريين بعد استبدال الجنود السابقين بهم. قام كذلك باغتيال امراء الأتراك أثناء وليمة دعاهم إليها.
عم الهدؤ والرخاء البلاد في عهد الجمالي, كذلك مالت العلاقة بين المسلمين والمسيحين في وقته للاعتدال, وإن كان مال أيضاً في أحوال كثيرة لفرض الأتاوات على البطريرك وزيادة الضرائب على الأقباط عامة حتى يضمن إنعاش خزينة الدولة.
أصدر الجمالي عام 1086 مرسوماً يلزم أهل الذمة بشد زنار اسود على مناطقهم, كذلك فرض عليهم ضريبة استثنائية قدرها دينار وثلث الدينار عن كل فرد.
مات الجمال عام 1094 فعين الخليفة أبنه الأفضل شاهنشاه مكانه, وقد نشأت أول حرب صليبية وقت وزارته للخليفة التالي. يذكر لبدر الجمالي وأبنه تشجيع الأرمن على القدوم إلى مصر وتنامي نفوذهم بها.
بوفاة المستنصر بدأ عهد إضمحلال الخلافة الفاطمية, والذي تميز بتزايد نفوذ الوزراء الذين استعان بهم الخلفاء الضعفاء اللاحقون له, من هؤلاء الوزراء شاور وأسد الدين شيركوه وصلاح الدين.

6. الاقباط تحت حكم الخليفة المستعلي (1096ـ1101)
أصغر أبناء الخليفة المستنصر, تولى الحكم خلفاً لأبيه, فثار أخوته نزار وعبدالله واسماعيل عليه, ورفضوا مبايعته, ثم عاد عبدالله واسماعيل وبايعاه, أما نزار فاتجه للاسكندرية وتحالف مع واليها للأستقلال بها, لكن الأفضل شاهنشاه سار إليهما وحاربهما واسرهما واحضرهما للخليفة الذي أمر بسجنهما وتعذيبهما حتى الموت.
في هذه الفترة نشبت أولى الحروب الصليبية, ولكن لا يذكر المؤرخون نهائياً شيئاً عن أحوال الأقباط في عهد هذا الخليفة ولا ردة فعله تجاههم مع نشوب حروب الفرنجة, وقد يعود هذا لقصر فترة حكمه.

7. الأقباط تحت حكم الخليفة الآمر بأحكام الله (1102ـ1131)
رفض هذا الخليفة تعين وزير خلفاً للمأمون, فعين أثنين من الرؤساء هما جعفر بن عبد المنعم وأبو يعقوب إبراهيم السامري, وجعل مشرفاً على أعمالهما راهب قبطي يدعى أبن أبي النجاح. اشتهر هذا الخليفة بميله لزيارة الأديرة, وإن كان مع هذا لم يحم الكنائس من بطش كبار موظفيه كنتيجة لضعفه. لامه المسلمون كثيرا ًبسبب إهماله في محاربة الصليبيين, من نتج عنه سيطرتهم على جزء كبير من ساحل سوريا ومواقع حصينةأخرى.

8. الأقباط تحت حكم الخليفة الحافظ لدين الله (1131ـ1149)
عين هذا الخليفة كوزير له أرمني مسيحي يدعى بهرام, فأعترض المسلمون عليه وكذلك الغير خلقدونيين, أما المسلمون فبحجة أنه لا يجوز أستوزار مسيحياً, اما الغير خلقدونيين فلخوفهم من تنامي نفوذ الأرمن الملكيين في مصر مما قديؤثر على عقيدتهم.
عمل هذا الوزير بالفعل على إحضار أقاربه واسناد الوظائف الهامة لهم, كذلك شجع هجرة أكثر من ثلاثين ألف أرمني إلى مصر, وزاد في عهده بناء الكنائس والأديرة لكل المسيحيين على السواء. لذا عندما أنتزع رضوان الوزير المسلم السلطة من بهرام حرص على استثارة الشعور الديني للمسلمين, فعمل على إذلال المسيحيين وفصلهم من وظائفهم. أما بهرام فقد رحل إلى أسوان, حيث قضي بقية أيامه في دير بجوار أسوان (دير أنبا هدرا), وبرحيله زال نفوذ الأرمن في الحياة السياسية وإن كان قد أستمر في الحياة التجارية.

9. الأقباط تحت حكم الخليفة العاضد (1160ـ1171)
آخر خلفاء الدولة الفاطمية, أرتبط تاريخه وسابقيّه بتاريخ الحروب الصليبية. كتب هذا الخليفة بيده نهاية الدولة الفاطمية عندما استعان بجيوش نور الدين لتنقذه من الصليبيين.
اشهر ما حل بالأقباط في عهد هذا الخليفة هو حرق مدينة الفسطاط عام 1168, بواسطة الوزير شاور, والذي رأى أنه في حالة إستيلاء الصليبيين عليها ستكون بوابتهم لدخول مصر وذلك لكون غالبية سكانها من المسيحيين الذين حسب شكه سيكونون في صف الصليبيين لا محالة. لم يسلم من حريق المدينة سوى ستة كنائس كانت مشيدة داخل حصن بابليون منهم كنيسة العذراء المعلقة. كنتيجة لهذا الحريق اصبح أقباط الفسطاط معدمين.

* أوضاع الأقباط الاجتماعية في عصر الدولة الفاطمية
1. الأقباط والحرف والفنون
حكم الفاطميون مصر مدة مائتي سنة, تأرجحت بين المعاملة الحسنة وأعطاء الحرية الكاملة للأقباط وبين الإضطهاد الشديد الغير مسبوق بل ومحاولة الإبادة العرقية. لكن يذكر للفاطميين أنهم خلفوا حضارة عظيمة, مازالت مصر تنعم بثمارها حتى اليوم, يكفي أنهم خلفوا مدينة القاهرة العاصمةالحالية للبلاد. اهتم الفاطميون بالفنون بوجه عام ويذكر دكتور علي إبراهيم حسن في كتابه"مصر في العصور الوسطى" ص 480 " يمكن القول إن تقدم الفنون في العصر الفاطمي يرجع بوجه خاص إلى مهارة الصناع الأقباط, ويتبين ذلك بسهولة من الصور الجميلة والمجموعات الفنية في دور الأثار, فإن من بينها التحف العجيبة والأثاث والملابس وقطع البلور"
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأرابيسك المشهور كفن اسلامي ما هو إلا فن أعمال الخشب الذي اشتهر به الأقباط خاصة في تزيين الكنائس, والدليل على ذلك أن أثار هذه الصناعة مازالت باقية في الكنائس القديمة بحارة زويلة وحارة الروم ومصر القديمة خاصة كنيستي المعلقة وأبي سفين.
إجمالاً يمكن القول أنه في عهد الفاطميين كانت معظم الصناعات والحرف بيد الأقباط, فكان منهم الصباغ والجواهرجية, النجارين والترزية, البنائين والحدادين, المهندسين والنقاشين وصناع الورق.

2. أعياد الأقباط
لم يسند الفاطميون فقط بعض وظائف الدولة الرئيسية إلى الذميين, بل أعادوا التقليد الذي سنه كافور الأخشيدي بالاشتراك في الحفلات الدينية المسيحية, ولكن الفرق أن الفاطميون صبغوا هذه الاحتفالات بالصبغة الرسمية أي اعتبروها أعياد دولة (بعض الخلفاء وليس الكل).
من الأعياد المسيحية المشهورة إبان عهد الولة الفاطمية ما يلي.
1. عيد الغطاس
ألغى المعز هذا العيد, ولكن العزيز أعاد الأحتفال به وجعله احتفالاً عظيماً, يذكر المقريزي "أنه في بداية عصر الحاكم أن السلطة استمرت تحتفل بهذا العيد بالأبهة نفسها وبرئاسة فهد بن إبراهيم كاتم أسرار الوزير برجوان". ألغى الحاكم هذا العيد حينما شرع في تنفيذ إضطهاده العظيم للأقباط, ولما خلفه الظاهر أعاد الاحتفال بالعيد دون المشاركة الشخصية فيه, يذكر المقريزي عنه "نزل أمير المؤمنين, الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم, لقصر جده العزيز بالله لينظر الغطاس ومعه الحرم (الحريم), ونودى ألا يختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم البحر في الليل وأمر الخليفة الظاهر لإعزاز الدين أن توقد المشاعل والنار في الليل, فكان وقيداً كثيراً, وحضر الرهبان والقسوس بالصلبان والنيران, فقسسوا هناك طويلاً إلى أن غطسوا".
كان اليعاقبة والملكيون يحتفلون معاً بهذا العيد, فكان الملكيون يخرجون من كنيسة القديس ميخائيل بقصر الشمع, فأذا ما وصلوا إلى ضفة نهرالنيل, وعظهم أسقفهم باللغة العربية ثم استنزل نعم الله على الخليفة وأفراد البلاط, ثم كانوا يقفلون عائدين إلى كنيستهم بنفس الطريقة التي جاؤوا بها حاملين الشموع والصلبان حيث كانوا يختمون صلواتهم.

2. عيد النيروز أي رأس السنة القبطية
يذكر بعض المؤرخين المسلمين أن الأقباط كانوا في هذا العيد يفرطون في استغلال الحرية التي كانت تمنح لهم, فيضرون بالأخلاق كل الضرر, وكانوا المحتفلون بهذا العيد يلهون بصب المياه القذرة على المارين. ويذكر المقريزي مظاهر الأحتفال بهذا العيد, ويعدد أنواع الطعام والفواكه الخاصة به, كما يذكر أيضاً أن الأسواق كانت تقفل في هذه المناسبة ويكاد لا يمر أحد في الشوارع, وكانت توزع النقود على موظفي الدولة وعلى نسائهم وأولادهم.

3. عيد الميلاد
كان يحتفل به أحتفالاً عظيماً في عهد الفاطميين "وكان من رسوم الدولة الفاطمية فيه تفرقة الجامات المملؤة من الحلاوات القاهرية والمقارد التي فيها السمك وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية والبوري, فيشمل ذلك أرباب الدولة أصحاب السيوف والأقلام , بتقرير معلوم"[2]

4. عيد الشهيد
العيد الرابع الذي يذكره المؤرخون هو عيد الشهيد فيذكر المقريزي "وهناك عيد أخر كانوا المحتفلون به يتجاوزون حدود اللياقة, ألا وهو عيد الشهيد, وقد ألغي في عهد المماليك, وفي هذا العيد كانوا يغمسون في النيل أصبع قديس, وكان الشعب يعتقد أن النيل لا يفيض إلا إذا غمس فيه سنوياً أصبع هذا القديس"
يؤكد المؤرخون أن فلاحي شبرا كانوا يعتمدون على بيع المشروبات الروحية أثناء هذا الأحتفال لدفع الضرائب المقررة عليهم, وكانت الحكومة في عهد الفاطميين تسك أيضاً خمسمائة دينار ذهبياً بمناسبة عيد العهد, وكان هذا المبلغ يوزع على جميع أرباب الرسوم.

3. الأقباط والحياة الوظيفية
حاول الفاطميون في بداية عهدهم أن يحققوا الوحدة القومية والتعاون الخالص لجميع المسلمين ولكنهم عدلوا سريعاً عن التقرب من السنيين بعد فشل محاولتهم الأولى, ثم لما قويت شوكتهم وأصبح تحت تصرفهم جيوش كبيرة سواء من أهل شمال أفريقيا أو من أتراك أو من الجنود السود فضلوا كسب عطف الذميين الذين لم يزالوا في ثرائهم ونفوذهم حتى قدومهم (الفاطميين), لإنتمائهم للطبقة المثقفة المسيطرة على الإدارة الحكومية.
لا يمكن أهمال هذا الفرض, لأن تاريخ الفاطميين يدل على طموحهم وهم حكام مصرالإسلامية الذين قطعوا علانية دون سواهم صلتهم بمركز الخلافة العباسية, وأعلنوا سيادتهم السياسية والدينية. عاش الفاطميون في حالة ترف لا مثيل لها, لذا كانوا في حاجة ملحة إلى المال, وبالتالي إلى إدارة منظمة تقوم على عاتق موظفين أكفاء ومخلصين, يقومون بجباية الضرائب في مواعيدها ويعملون جاهدين على إنماء الثروة الإقتصادية, وكان الأقباط على استعداد تام للقيام بهذا الدور خير قيام.
لذا يمكن القول إن فشل الفاطميين في استمالة السنة إلى جانبهم, وما لمسوه من إخلاص الأقباط, الذين كانوا يجمعون بين الإخلاص والكفاءة, جعلهم يرغبون في رد الجميل لهم, فأظهروا لهم تسامحاً كبيراً (ليس كل الخلفاء).

* بعض بطاركة الكنيسة الغير خلقدونية في العصر الفاطمي
عاصر الخلفاء الفاطميين في مصر, والذين أمتد حكمهم إلى مائتي سنة, إثنا عشر بطريركاً, أبتداء من البطريرك ابرآم بن زرعة (975ـ978) والذي عاصرالخليفة المعز لدين الله, حتى البطريرك الأنبا مرقس الثالث الذي عاصر الخليفة العاضد, آخر خلفاء الدولة الفاطمية, كذلك عاصر صلاح الدين الأيوبي.
1. الأنبا ابرآم بن زرعة السرياني (975ـ987)
كان له علاقة طيبة بالخليفة المعز ورجال الدولة, وكان المعز يقربه إليه وأمره بنقل مقره للقاهرة بدلاً من الاسكندرية. يذكر المؤرخون الأقباط عن هذا البطريرك أنه في عهده تمت حادثة نقل جبل المقطم, وملخص هذه الحادثة أن الوزير اليهودي الذي أسلم يعقوب بن كلس أوعز للخليفة أن كتاب المسيحيين (الإنجيل) يذكر أنه إذا كان لهم إيمان مثل حبة خردل يمكنهم أمر الجبال فتنتقل من مكان لآخر, وأوعز له بإختبار إيمانهم وكتابهم, أحضر الخليفة البطريرك وتبين منه صحة ورود الكلام في الإنجيل, فخيره بين تنفيذ هذا الكلام وبين إفناء المسيحية والمسيحيين من البلاد. طلب الأقباط مهلة ثلاثة أيام قضوها في الصلاة والصوم ثم تحققت المعجزة. ورد ذكر هذه المعجزة في كتاب تاريخ البطاركة (المعاصرة كتابته لتاريخ حدوث المعجزة), كما ذكرها المؤرخ أبو المكارم في القرن العاشر في كتابه الكنائس والديارات, ولكن ينكر معظم المؤرخون المسلمون هذه المعجزة ويذكروا أنها ورد ذكرها متآخر جداً في كتابات المسيحيين.
سعى هذا البطريرك في استغلال تقربه من الخليفة في الحصول على إذن بترميم عدد من الكنائس القديمة أو إعادة بناء كنائس متهدمة ككنيسة القديس مرقوريوس بمصر القديمة وكنائس آخرى كثيرة بمصر أو بالاسكندرية.
2. الأنبا زخارياس البطريرك ال 64 (1004ـ1032)
عاصر هذا البطريرك كل من الخليفة الحاكم بأمر الله والخليفة الظاهر, حاقت به متاعب كثيرة ومظالم واضطهادات جمة وقت الحاكم, بسبب الوشايات أمر الحاكم بسجن هذا البطريرك والقاءه للأسود مع راهب نوبي يدعى سوسنة (شبشية) ولكنها لم تمسه ورفيقه بسوء, أثناء سجنه الذي دام ثلاثة اشهر أذاقوه كثيراً من العذابات بهدف إجباره على ترك المسيحية والتحول للاسلام ولكنه ثبت على إيمانه.
3. الأنبا شنودة الثاني البطريرك ال 65 (1032ـ1046)
عاصر هذا البطريرك كل من الخليفة الظاهر والخليفة المستنصر, في عهده حاقت به وبالكنيسة مظالم ومتاعب كثير, يذكر لهذا البطريرك أنه أول من أصدر قرار بأن تؤول مقتنيات الأساقفة بعد نياحتهم للكنيسة وليس لأسرهم.
4. الأنبا خرستوذولس البطريرك ال 66 (1046ـ1077)
عاصرت فترة حبريته الخليفة الفاطمي المستنصر, نال هذا البطريرك كثيراً من المضايقات على يد الوزير محمد اليازوري, الذي إمتاز بشدة كرهه للمسيحيين, كذلك نالته متاعب على يد قبيلة "اللواته" والتي تعدت كثيراً على مسيحي الوجه البحري وأختطفوا البطريرك طمعاً في فدية كبيرة, وبالفعل دفع لهم ثلاثة آلاف دينار مقابل إطلاقه, كذلك فعل معه الترك عند هجومهم على أديرة وادي النطرون لسلبها وقتل الرهبان.
يذكر لهذا البطريرك أهتمامه بتنظيم الأمور الطقسية في الكنيسة, وتقنينه للممارسات الطقسية (هناك نسخة من هذه القوانين محفوظة بالمتحف القبطي بالقاهرة). كذلك يذكر له حرصه على الحفاظ على الصلات الطيبة مع مملكة النوبة المسيحية واهتمامة بسيامة أساقفة لها, ولعبه دور الوسيط بين ملوك النوبة وحكام مصر في المسائل السياسية.
5. الأنبا كيرلس الثاني البطريرك ال 67 (1078ـ1093)
عاصر هذا البطريرك خلافة الخليفة المستنصر, ولكن أثناء فترة وزارة بدر الجمالي والتي امتازت بالهدؤ تجاه الأقباط, لذا لم تحق به متاعب كسابقيه, ربطت هذا البطريرك بالوزير الجمالي علاقة طيبة عادت بالهدؤ والنفع على الكنيسة. يذكر لهذا البطريرك أنه أعاد تبادل رسالة الإيمان المشترك (السنوديقا) مع البطريرك الأنطاكي ديونسيوس ومع بطاركة الكنائس الشرقية الآخرى وكانت اسماء البطاركة تذكر في صلوات الكنائس المختلفة.
يذكر لهذا البطريرك أيضاً أنه في عهده انتعشت الحياة الرهبانية في أديرة وادي النطرون على وجه التحديد حتى بلغ عدد الرهبان أربعمائة راهب, كذلك وصل عدد الأساقفة في عهده نحو 47 أسقفاً.
6. الأنبا غبريال بن تريك البطريرك ال 70 (1131ـ1145)
هو أبو العلا صاعد بن تريك, ولد بمدينة مصر, من أسرة قبطية, كان أبوه كاهناً, فرباه تربية دينية وثقافية حسنة. أتقن اللغتين القبطية والعربية, وكان ناسخاً ماهراً قام بنسخ العديد من الكتب القبطية والعربية و كان كاتباً في دواوين الحكومة, كرس شماساً للخدمة بكنيسة أبي سيفين ولكن نظراً لعلاقته بالوزير أحمد بن الأفضل حفيد بدر الجمالي سمح له بالأحتفاظ بوظيفته الحكومية مع إلتزامه بالخدمة الشماسية.
بعد نياحة البطريرك مكاريوس الثاني ظل الكرسي البطريكي شاغراً لمدة سنتين حتى سيامة البطريرك غبريال بن تريك, ويعود سبب هذا التأخير إلى عدم إمتلاك الأقباط للمبلغ الذي يجب دفعه للخليفة لإستصدار أمر تنصيب البطريرك الجديد.
يذكر لهذا البطريرك إضافة عبارة " وصار واحداً مع لاهوته بغير إفتراق ولا إمتزاج ولا تغير" إلى صلاة الأعتراف بالقداس الإلهي. أما عن ظروف الأقباط في عهده فامتازت فترته بعدم الأستقرار بسبب تغيير عدد كبير من الوزراء, كذلك بسبب صراع المسلمين مع الأرمن, كذلك بسبب إضطهاد الوزير رضوان للمسيحيين وفصلهم من وظائفهم وهدم الكنائس.
قام هذا البطريرك بالعديد من الإصلاحات الطقسية والقانونية في الكنسية القبطية الغير خلقدونية, بدأ إصلاحة بإصدار قرار بمنع دفن الموتى في الكنائس حتى ولو كانوا من طغامات الإكليروس. أما عن إصلاحاته الطقسية فبدأها بإصداره لترتيب صلوات أسبوع الألام, ثم كونه أول بطريرك يأمر بقراءة الإنجيل وإلقاء العظة أثناء القداس باللغة العربية حتى يتسنى للشعب فهم كلمة الله بعد إنحصار المعرفة باللغة القبطية.
وضع هذا البطريرك ونظم صيغة للقوانين الكنسية ضمها في ثلاثة كتب, الأول خاص بتنظيم أمور البيعة من علاقة الأساقفة بالشعب وعلاقتهم بالبطريرك, كذلك القواعد الواجب اتباعها أثناء الطقوس, في هذا الكتاب أيضاً نهى عن ترك الرهبان للأديرة واستمرارهم في الخدمة وسط العالم. أما لكتاب الثاني فهو خاص بتنظيم أمور وحياة الإكليروس. وينظم الكتاب الثالث قواعد المواريث.
تنيح البطريرك غبريال بن تريك عام 1145, صلوا على جثمانه في كنيسة أبي سفين ودفن أولاً جانبها ثم نقل جثمانه بعد ذلك إلى دير أبو مقار بوادي النطرون.
7. الأنبا يؤانس الخامس البطريرك ال 72 (1147ـ1166)
جلس هذا البطريرك على الكرسي البطريكي مدة 19 سنة, عاصر من الخلفاء الفاطميين الحافظ والظافر والفائز والعاضد آخر الخلفاء, كان قبل سيامته راهباً في دير أنبا يحنس القصير وكان يدعى يؤانس بن أبي الفتح. تميزت فترة هذا البطريرك باضطرابات كثيرة بسبب حوادث قتل الوزراء والخلفاء, عانى الأقباط فترة بطريركيته من متاعب كثيرة, وهدمت كثير من الكنائس في وقته, سجن هذا البطريرك مرات عديدة لاسباب مختلفة. تنيح هذا البطريرك في التاسع والعشرين من أبريل 1166, ودفن بجوار كنيسة أبي سفين ثم نقل جثمانه مع جثمان سلفه إلى دير أبو مقار بوادي النطرون.
8. الأنبا مرقس الثالث البطريرك ال 73 (1166ـ1189)
جلس هذا البطريرك على كرسيه نحو أثنين وعشرين سنة عاصر خلالها الخليفة العاضد آخر خلفاء الدولة الفاطمية, كذلك عاصر بداية الدولة الأيوبية وصلاح الدين الأيوبي. كان علماني من أصل سرياني يدعى أبو الفرج بن أبي أسعد ومشهور بأبن زرعة.
حاقت بالكنيسة في عهدة متاعب ومصاعب كثيرة خاصة على يد الوزير الأيوبي يوسف صلاح الدين, الذي أمر بنزع الصلبان من فوق الكنائس وبطلي قبابها وأبوابها وأسوارها باللون الأسود, كذلك منع دق نواقيس الكنائس وألغى أحتفال الشعانين, في عهد هذا الوزير قام الرعاع باغتصاب عدد من الكنائس وتحويلها إلى مساجد.

* مشاهير الأقباط في عهد الدولة الفاطمية
تقلد كثير من الأقباط في عهد الدولة الفاطمية الوظائف العليا في دواوين الحكومة, لأسباب سبق الإشارة إليه سابقاً, امتاز الأقباط أيضاً بوضعهم نظم حسابية دقيقة لأعمال الدواوين وكذلك لأعمال المساحة, ساعدهم على الاستمرار في اعمالهم اتقانهم للغة العربية. لذا نجد بين الأقباط عدد من المشاهير كل في مجاله,من هؤلاء:
1. المعلم سرور الجلال
كان ضامناً(ملتزماً) فترة خلافة المستنصر, كان غنياً جداً , ووجد حظوة في عيني الخليفة ونال ثقته, كان ذو علاقات طيبة مع الجميع أقباط ومسلمين.
2. الشيخ السعيد أبو الفخر (أبن صاعد)
كان كاتب الرواتب في خلافة الحافظ ثم ترقى فأصبح رئيس مجلس الرواتب, لما مات تولى أبنه الشيخ سعيد شديد الملك وظيفة أبيه الأولى.

3. الأسعد أبو الخير جرجة بن أبي وهب (أبن الميقاط)
كان من أكابر الأقباط وأثريائهم في زمن الخليفة العاضد, أدعى عليه شاور أنه يتخابر مع جنود الفرنجة سراً, فسجنه وعذبه حتى مات.
4. السيدة ترفة
كانت سيدة غنية بمصر القديمة, اشتهرت بالتقوى والغيرة الدينية وأعمال الخير, شيدت كنيسة على اسم أبي نفر السائح, وشيدت بها ديراً للعذارى والراهبات, أنفقت على استنساخ جملة كتب مخطوطة وأوقفتها على الدير المذكور.
5. أبو سعد منصور بن أبي اليمن
كان كاتباً بليغاً, تولى الوزارة لفترة في أيام الخليفة المستنصر, ولكنه تنازل عنها بعد فترة وجيزة حين أدرك خواء الخزينة ومطالبة الجنود برواتبهم.
6. الشيخ صفي الدولة أبن أبي ياسر بن علوان الكاتب
كان ملكاني شيد كنيسة باسم أجيا صوفية بالقرب من أهرامات الجيزة ولكنها أندثرت.
7. الشيخ الأحزم
كان كاتب ديوان النظر وهو ديوان المراجعة على دوواوين الأموال, الذي كان لمن يتولاه حق عزل رئساء الدواوين.
8. الأسعد صليب بن ميخائيل (أبن الايغومانس)
كان عالماً, محباً للعلم والعلماء, أعاد تجديد دير مار مينا بالفسطاط بعد حرقها, كذلك أنشأ بها مدرسة ومكتبة, يذكر أن له رسالة في أسرار الكنيسة (مخطوط بخط يده) موجودة في مكتبة بلننجراد ـ روسيا.







المصدر الثاني


تاريخ الكنيسة القبطية في نهاية العصر الفاطمي


"الدكتور يواقيم رزق"




لا ريب أن عصر الدولة الفاطمية في مصر كان عصر هدوء وسلام وسكينة، وبذلك ساد الاستقرار أغلب مؤسسات الدولة. ولم يحدث قط في تاريخ مصر آنذاك أن تغير شكل الحكم بهذه المسالمة، كما أن ظفر الفاطميين بمصر قد حولها تدريجيا من دولة تابعة إلى دولة مستقلة، وبالتالى أوصلها إلى مكانة مرموقة بين مختلف الدول المجاورة.
ولما كان موضوعنا هو نهاية هذه الدولة، أو "مصر في القرن الحادى عشر الميلادى" فإن هذا يساير عهد الخليفة الظاهر بن الحاكم بأمر الله.

وللعجب أن يأتى المولود على عكس الوالد، فبعد أن ذاقت الكنيسة ومصر كلها الأمرّين على عهد الحاكم بأمر الله، فقد جاء " الظاهر " بخطة تسامح وألفة، مثلما كان على عهد جده "العزيز بالله" مما أفرز إنتاجاً غزيراً من الفكر والفن، فتبارى العلماء والأدباء في التأليف وتبارى الشعراء في القريض، مما راجت معه سوق العلم والأدب والاستمتاع بالموسيقى والغناء.

بل أن الظاهر أعاد بتسامحه الكثير من الحقوق إلى الأقباط ومنح الذين غيروا دينهم في عهد أبيه عنوة أن يرجعوا إلى دينهم الأصلى، وسمح بترميم ما تهدم من كنائس.

ولقد عاصر العصر الفاطمى عدد كبيرا من البطاركة بلغوا اثنا عشر بطريركا، منهم خمسة بطاركة في فترة دراستنا هذه عاشوا عهد الظاهر وبعده المستنصر، وهو الخليفة الذي عاش أطول فترة من سابقه وعايش معظم هؤلاء البطاركة، وتولى الحكم قاصرا بوصاية أمه السودانية الأصل، وبعد أن بلغ سن الرشد تسلم الحكم من أمه فبدأ سالما عادلا إلا أن وزيرة "بازورى" كان يقلب على المسيحين حيث كان طامعا في المال وفي السلطة.

وقد شغل الكرسى البطريركى في القرن الحادى عشر ونهاية العصر الفاطمى كل من الاباء البطاركة:

- الأنبا زخارياس (زكريا) البطريرك الرابع والستون 1004 – 1032
- الأنبا شنودة الثانى البطريرك الخامس والستون 1032- 1046
- الأنبا خرستوذولوس البطريرك السادس والستون 1046 – 1077
- الأنبا كيرلس الثانى البطريرك السابع والستون 1078 – 1092
- الأنبا ميخائيل السنجارى البطريرك الثامن والستون 1092 – 1102


الأعياد والاحتفالات الدينية القبطية في القرن الحادي عشر:
تميز العصر الفاطمي الذي شغل مساحة كبيرة من القرنين العاشر والحادي عشر بالسلام الذي شجع العلماء على العلم والفنانين على الفن، فظهرت كثير من الفنون وتشجيع القديم منها، كما ألف المؤلفون الكثير من الكتب، واشتهرت مجالس الأدب والعلم وارتفع مستوى التعليم والحضارة.
وقد نال الأقباط قسط كبير من هذا الاهتمام، فرممت الكنائس القديمة، وأنشئت كنائس جديدة، وزاد عدد الرهبان، ونشطت الخدمة المسيحية إلى حد ملحوظ.
كما ظهر الأقباط في الشوارع والمحافل، بل وأظهروا طقوسهم الدينية علانية في غير خفاء سواء في أعيادهم أو في مواسمهم، وزاد اشتراكهم في الوظائف الإدارية والمالية.
وبلغ الأمر أكثر من هذا، إذ شارك الخلفاء الأقباط احتفالاتهم بمواسمهم وأعيادهم بشكل رسمي، وشاركت مالية الدولة في ذلك.

وكان من الأعياد الظاهرة آنذاك: عيد البشارة وعيد أحد الشعانين الذي اشتهر باسم عيد الزيتونة وكانوا يخرجون فيه حاملين سعف النخيل ويدورون حول الكنائس ومعهم الورود مترنمين بألحان ذلك اليوم الجميلة، والكهنة والشمامسة بملابسهم. ولم يوقف هذا التقليد إلا الحاكم بأمر الله. وكذلك خميس العهد وكان يسمى خميس العدس أو خميس البيض، فكان المسيحيون يأكلون فيه العدس، وأخواتهم المسلمون يأكلون البيض.

ويقول عنه المقريزى "وسُنَّتهم في ذلك أن يملأوا إناء من ماء ويزمون عليه (يقرأون المزامير)، ثم يغسل للتبرك به أرجل سائر النصارى.. وكان في الدولة الفاطمية تضرب في خميس العدس هذا خمسمائة دينار، فشمل ضراريب تفرق في أهل الدولة برسوم مفردة.. ويباع في أسواق القاهرة من البيض المصبوغ عدة ألوان ما يتجاوز حد الكثرة، فيتآمر به العبيد والصبيان والغوغاء، وينتدب لذلك من جهة المحتسب من يردعهم في بعض الأحيان، ويهادى النصارى بعضهم بعضا، ويهدون المسلمين أنواع السمك المتنوع مع العدس المصفى والبيض".

سبت النور:
كان احتفال كبير أن النور يظهر على قبر المسيح بكنيسة القيامة بالقدس فتشعل مصابيح الكنائس كلها "وتقبل النذور والتبرعات من أموال ومأكولات وحلوى وملابس".
كما كان المتبرعون يتسابقون على الوفاء للكنيسة وخدامها بما يحتاجونه من ستائر ولفائف وسجاجيد وشموع ودقيق ونبيذ، ويخططون لترميم ما يحتاج في الكنيسة إلى ترميم، وتنحر الذبائح لتوزيعها على الفقراء والعاملين في الكنيسة وتكون البيوت كخلايا النحل ما بين منظف وطاه وخابز وحائك، الكل يتسابقون على النظافة جسما ومكانا استعدادا لليلة العيد الكبير (القيامة).


حد الحدود:
وهو أول أحد في الخماسين وفيه يبدأ العمل في تجديد آلات الزراعة والصناعة بعد عطلة (من أسبوع الآلام وأسبوع العيد) ويبدأون العمل في الزارع والحقول، لاسيما وأن الوقت يكون وقت حصاد القمح والفول والحلبة وغيرها، من الحبوب الأساسية في حياة القبطي.
كما يبدأ النساج في ترميم نوله وإصلاحه، واستلام الخيوط من الغزالين والصباغين الذين هم كذلك يفتحون مصابغهم وورشهم ومصانعهم بعد هذه العطلة الطويلة وتبدأ الخماسين المقدسة في بهجة العمل والروحانية، فكسب روحي وكسب مادي ومن الأعياد الهامة التي كانت تقع في دائرة اهتمام الدولة مع الأقباط.


عيد الميلاد:
دوَّن المقريزى: "ولم يزل بديار مصر من المواسم المشهورة، فكان يفرق فيه أيام الدولة الفاطمية على أرباب الرسوم من الأستاذين المحنكين والأمراء المتطرفين، وسائر الموالى من الكتاب وغيرهم: الحاجات من الحلاوة القاهرية والمثار التي فيها السميذ، وقربان الجلاب، وطمافير الزلابية، والسمك المعروف بالبوري ".
إلا أنه عاب على الأقباط إدخال بعض الذين أساءوا إلى الذوق العام بالرقص واللعب بالنار وشرب الخمور.
"وأدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر أقاليم مصر، موسماً جليلاً، تُباع فيه الشموع المزهرة بالأصباغ الجميلة والتماثيل البديعة بألوان لا تنحصر، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشترى من ذلك لأولاده وأهله ، وكانوا يسمونها الفوانيس، ويعلقونها في الأسواق والحوانيت.. شيئا يخرج من الحد في الكثرة والملاحة.. ويتنافس الناس في أثمانها، حتى لقد أدركت شمعة candle عُمِلَت فبلغ مصروفها ألف درهم وخمسمائة درهم فضة، عليها ما يزيد عن سبعين مثقالاً من الذهب".
وهكذا يروى الشيخ تقي الدين أحمد بن على المقريزي انه شاهد مما كان يرى ويرصد، فيقول أيضا:
"وأعرف السؤال في الطرقات أيام هذه المواسم، وهم يسألون الله أن يتصدق عليهم بفانوس، فيشترى لهم من صغار الفوانيس ما يبلغ ثمنه الدرهم وما حوله.. ثم لما اختلَّت أمور مصر، كان من جملة ما ظل من عوايد الترف عمل الفوانيس في الميلاد إلا قليلا.

عيد الغطاس:
وهو معروف لدينا بعيد الظهور الإلهي، لان الثالوث تجلى واضحاً في هذا اليوم ولكن بالنسبة لما كان يدور فيه أفراح بسلبياتها وإيجابياتها، فنعود إلى المقريزى وهو غير مسيحي وشهد هذه الأعياد، لأنه لم يكتب هذه التفاصيل مؤرخ مسيحي بحجة أنها معروفة له آنذاك، ولم يكن يظن أنها ستطلب للمعرفة بعد أيامه.
ويسجل المقريزى فيقول فيه "... فصار النصارى يقسمون أولادهم في الماء في هذا اليوم، وينزلون فيه بأجمعهم، ولا يكون ذلك إلا في شدة البرد، ويسمونه يوم الغطاس، وكان له بمصر موسم عظيم للغاية ".
ويقول مؤرخ آخر هو المسعودي في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها، لاهتمام الناس فيها، وهي ليلة الحادي عشر من طوبة.
ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاثمائة (الهجري) ليلة الغطاس بمصر والإخشيد محمد بن طفج أمير مصر، في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة للنيل، والنيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج في جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل، غيرها أسرج أهل مصر من المسارج والشمع.
وقد حضر بشاطئ النيل في تلك الليلة آلاف من الناس من المسلمين ومن النصارى منهم في الزوارق ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على سائر الشطوط، لا يتناكرون كل ما يمكنهم إظهاره من الأكل والشرب والملابس وآلات الذهب والفضة والجوهر والملاهي والعزف والقصف.
وهى أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سروراً، ولا تغلق فيها الدروب ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض وإبعاد للداء".
ويقول مؤرخ ثالث اسمه المسيحي: "من حوادث سنة سبع وستين وثلاثمائة (هجرية)، منع النصارى من إظهار ما كانوا يفعلونه في الغطاس من الاجتماع ونزول الماء، وإظهار لملاهي، ومؤدى ذلك أن زاد نفي هذه الاحتفالات من الحضر".
وقال أيضاً: "في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة للهجرة كان الغطاس، فضربت الخيام والمضارب والأسرة في عدة مواضع على شاطئ النيل، ونصبت أسرة للرئيس فهد بن إبراهيم النصراني كاتب الأستاذ برجوان، وأوقِدَت الشموع والمشاعل له، وحضر المغنون والمُهَلِّلون، وجلس مع أهله يشرب... إلى أن كان وقت الغطاس فغطس وانصرف".
وكان سنة إحدى وأربعمائة أن مُنِعَ النصارى من الغطاس، فلم يغطس أحد منهم في البحر.
وكان الرجال يغطسون في النيل والترع ليلاً بينما كانت النساء يغطسن في الكنائس في أحواض كبيرة تملأ بالمياه بعيده عن أعين الرجال ومعهم الأطفال والبنات.
وفى صباح اليوم الثاني كانوا يشترون الضأن وينحرونه بهجة وفرح ونذور، وتباع الفاكهة في أيام الفاطميين.
وكان الخلفاء يشاركونهم فرحتهم هذه ويمرون عليهم في كنائسهم وبيوتهم الكبيرة، وكانوا ينادون بألا يخالط المسلمون النصارى في نزولهم النيل.
وكانوا يأمرون بإيقاد المشاعل والشموع على حساب الدولة الفاطمية، وتشدد الحراسة في تلك الليلة أثناء الصلوات وأثناء الغطس في النيل.
ومن الفواكه التي كانت تؤكل وتوزع على الناس والفقراء النارنج والليمون وأطنان القصب وسمك البوري.
ومن هذا الوصف ترى إن الدولة كانت تشارك الأقباط فرحتهم، إلا انه لما زادت الفرحة إلى أن وصلت إلى حد المساخر، فكان لابد بالطبع أن تؤخذ الأمور بالحزم.


عيد النيروز:
ربط الأقباط بين النيل وعيد النيروز باعتبار أن النيل مصدر الخير في العام كله، فكانت احتفالاتهم بالنيروز بجوار نهر النيل حيث كانوا يغطسون في مياهه ويتراشقون بمياهه كما كانوا يطوفون بالأسواق، في شكل جماعات من اللاعبين والبائعين والحواة ولاعبي القرود، وكانوا يوقدون النيران على قطع من الخشب على سطح النيل والترع والمجارى المائية وتنشط حركة البيع والشراء من ملابس حريرية وكتابية وهدايا، ومأكولات وحلوى، وكانت اشهر أنواع الفاكهة في عيد النيروز: البطيخ والرمان وعناقيد الموز وأقفاص الثمر القوص، وأقفاص السفرجل والهريسة.
كما كانوا يأكلون لحم الدجاج والعنان والبقر وكانت تضرب باسمه بعض العملات من الذهب والفضة، وكانت الدولة توزعها على أعيان الأقباط، كما كانت توزع الكساوي (الكسوة، الملابس) على اختلاف أنواعها، حتى ملابس النساء وعصائبهن الملونة، وأرديتهن (جمع مثنى رداء) من الحرير وبعض الحلي.
فكانت تهدى هذه كذلك إلى دار الوزارة والشيوخ والأصحاب ورؤساء العشاريات (العشائر).
وكانت ليلة النيروز تمضى بين الصلوات في الكنائس والغطس في النيل أو في الأحواض المُلحَقة بالكنائس، وفي الصباح توزَّع هذه الهدايا.
وكان هناك موكب النيروز، ويركب فيه أمير القاهرة ومعه جمع غفير من المسئولين ويسمى أمير النيروز وكانت تصدر المراسيم الجديدة والأوامر الجديدة ويجمع الهبات.
وكان يجتمع المغنون والمهللون تحت قصر اللؤلؤة، بحيث يشاهدهم الخليفة وهم في ملاهيهم وترتفع الأصوات بالغناء والدعاء والأكف بالتصفيق، وكانت تُشرَب الخمور في الطرقات، مما كان أمراً مكروهاً وسبباً في إلغاء هذه الاحتفالات فيما بعد، وقصرها على صلوات الكنائس.
ومن السلبيات كذلك كثرة الرش بالماء والخمر في الطرقات، وارتكاب الموبقات ممن اختبأوا وسط الاحتفالات الدينية، كأنهم ضمن صفوف الأقباط. منها الكثير من اللصوص والداعرين والداعرات، مما شوَّه الاحتفال، وجرَّ على المسيحيين الكثير من السخط، وما إن حل عهد الحاكمة بأمر الله إلا ومنع جميع هذه الاحتفالات، وجرم من يقوم بها. ونالت الكنيسة بسبب ذلك الكثير من اللوم والمشاكل.