الكهنوت المسيحي وسر الأبوة الروحية

"نيافة الأنبا رافائيل"





من أجمل تقاليد كنيستنا القبطية مناداة الأب الأسقف والكاهن بلقب "أبونا"، بل يقف على قمة الهرم الكنسى شخص محبوب يسمى (البابا) ووظيفته (بطريرك) أى (رئيس الآباء) أو بالأحرى (أب الآباء)... فكل كهنوت كنيستنا هو أبوة روحية غامرة يتلقنها الكاهن (فى أية درجة، من المسيح ويشبع بها بفيض، فتشع منه روحاً ينسكب فيغمر الكنيسة بفيض الحب والأبوة، الاهتمام والرعاية لكل نفس "التراكم علىّ كل يوم. الاهتمام بجميع الكنائس. من يضعف وأنا لا أضعف، من يعثر وأنا لا ألتهب" (2كو29:11)، هذه هى الأبوة التى تنسكب كأنهار مياه حية من أحضان الثالوث القدوس فتحى العالم عبر الكاهن.

وأبوة الكهنوت فى كنيستنا تتجلى فى ثلاثة وظائف:
قداسة البابا البطريرك :

هو الراعى الأكبر للكنيسة القبطية، ورئيس أساقفتها، وهو الذى يرأس المجمع المقدس، الذى هو السلطة العليا فى الكنيسة من جهة التعليم والتشريع والعقيدة والرعاية.

1- الوساطة :

الوسيط هو من يقف فى الوسط بين فريقين يصل بينهما، محاولاً إيجاد الوحدة الكاملة بينهما. والفريقان هنا هما الله والإنسان.

ومعروف أن العلاقة الرائعة التى جمعت بين الله والإنسان فى الفردوس قد تشوهت وفترت بسبب السقوط... فكان لابد من وسيط يقوم بالمصالحة... وكان أيوب الصديق يبحث عن هذا الوسيط: "ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا" (أى 33:9) ولم يكن الوسيط إلا ربنا يسوع المسيح الذى يجمع فى ذاته - بسبب الاتحاد الأقنومى - "كل ما للآب" (يو15:16)، فهو من نفس الجوهر الذى للآب وأيضاً كل ما للإنسان إذ "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس. وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (فى 7:2،8)، لذلك قيل عنه بحق "يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع" (1تى 5:2،6)، فالمسيح هو رئيس الكهنة الأعظم (لحن ميغالو)، ولكنه منذ البداية قد أختار أناساً ليمارس فيهم وبهم ومن خلالهم كهنوته الخاص "ثم دعا تلاميذه الأثنى عشر وأعطاهم سلطاناً على أرواح نجسة حتى يخرجوها، ويشفوا كل مرض وكل ضعف" (مت 1:10)، "وبعد ذلك عين الرب سبعين آخرين أيضاً وأرسلهم اثنين اثنين أمام وجهه إلى كل مدينة وموضع حيث كان هو مزمعاً أن يأتى" (لو1:10)، إلا أن مهمتهم لم تنحصر فى هذا العالم ولم تقتصر عليه بل أعطاهم أن يمارسوا كل كهنوته فهم معه حيث هو (يو 24:17)، "ويشتركون فى سلطانه" (مت 18:28-20)، "وما يحلونه على الأرض تحله السماء" (مت 19:16). بل صاروا خدام المسيح ووكلاء سرائر الله (1كو 1:4) حتى أنه قال لهم "الذى يسمع منكم يسمع منى. والذى يرذلكم يرذلنى" (لو16:10)... فحضور الكاهن يمثل حضور المسيح فى الكنيسة - لاحظ أن ألحان استقبال الأسقف فى الكنيسة هى ألحان تعلن عن حضور المسيح (ابؤورو، ايفلوجيمينوس، اكسماروؤت) - وبهذا المنظور يكون الكاهن وسيطاً بين الله والناس إذ أنه يمثل شخص ربنا يسوع المسيح... فهو من جهة متحد بالمسيح ومن جهة أخرى يجمع كل الشعب فى قلبه بالأبوة والحب ليوحدهم بالمسيح... وهذه، لائك، تمثل معاناة، يشبهها معلمنا بولس الرسول بآلام المخاض "يا أولادى الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غل 19:4).

إن هذه المعاناة اليومية التى يقاسيها الكاهن ما هى إلا علامات أبوته التى بها يحمل هموم الناس ويطرحها تحت قدمى المسيح... أنه يتوب مع كل تائب "... عبدك (فلان) وضعفى نحن المنحنييْن برؤوسنا أمام وجهك المقدس. ارزقنا رحمتك، اقطع عنا كل رباطات خطايانا..." (التحليل الذى يقرأه الكاهن على رأس المعترف). ويصلى عن كل مريض ومسافر ومنتقل... ويطلب عن خلاص العالم والبهائم والزروع والمياه والأهوية... يشفع فى الأرملة واليتيم والغريب والضيف، ويئن مع الذين فى السجون والنفى ومع المظلومين والمتألمين..، ويرفع تنهدات بنى البشر لله أمام المذبح حاملاً عار الناس وخطيتهم متشبهاً بالمسيح الذى منه تستمد كل أبوة وكل قوة.



2- النموذج :

ليس الكاهن واعظاً وحسب ولكنه أب، يسلم أولاده روح المسيح، أنه أكثر من أن يكون معلماً أو مرشداً روحياً بل هو شاهد عيان لانسكاب الروح القدس فى أبنائه، أنه إنسان تتجلى فيه بوضوح روح النبوة فى العهد الجديد - ليس بمعنى من يتنبأ بالمستقبلات بل من ينبئ بفكر الله وإرادته ويعلنه ويعلمه للناس.

الكاهن فى الكنيسة يقود أولاده نحو المسيح فى مسيرة روحية متدرجة، يتبعون خطواته فيما هو يتبع خطوات المسيح "لأنه إن كان لكم ربوات من المرشدين فى المسيح لكن ليس أباء كثيرون لأنى وأنا ولدتكم فى المسيح يسوع بالإنجيل. فأطلب إليكم أن تكونوا متمثلين بى" (1كو15:4،16)، "كما أنا أيضاً بالمسيح" (1كو 1:11).
فالحياة الروحية التقوية لا تلقن، ولا يستطيع المعلم الروحى إلا أن يساعد على تفتحها ونموها، وهذا يكون بحياته وسلوكه التلقائى العفوى التقوى، ويكون بالتفاف الأبناء حوله ليشربوا منه روح التقوى والعفة والوداعة... "كن قدوة للمؤمنين فى الكلام فى التصرف فى المحبة فى الروح فى الإيمان فى الطهارة" (1تى 12:4).

وروح المسيح هذه تنتقل من جيل إلى جيل خلال الآباء الذين يحملون الوديعة ويسلمونها لأبنائهم بأمانة وتقوى "كونوا متمثلين بى معاً أيها الأخوة ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة" (فى 17:3)، "وأنتم صرتم متمثلين بنا وبالرب.. حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون..." (2تس9:3)، "وما سمعته منى بشهود كثيرين أودعه أناساً أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضاً" (2تى 2:2)، "وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه فىّ فهذا افعلوا" (فى 9:4).

هنا - وبسبب الأبوة فى الكنيسة - لم يعد الإيمان نظريات فلسفية تحارب عنها الكنيسة ضد الهراطقة ولا مجرد تحديدات قانونية أقرتها الكنيسة فى مجامعها المسكونية، بل هو حياة يعيشها الآباء فليتقطها منهم الأبناء، لينقلوها بدورهم إلى الأحفاد "من جيل إلـــى جيل وإلـــى دهر الدهور آمين".

إن سبب نقاوة إيمان أثناسيوس (تقواه)، وسبب تمسك الأقباط بإيمان أثناسيوس أنه (أبوهم)... ولا عجب فأثناسيوس نفسه شرب روح التقوى من أبيه (أنطونيوس)...


الثالوث والحياة :

لقد عاش الآباء سر الثالوث ففهموا كيف تكون الأبوة والبنوة والروح الواحد، وصار الثالوث المعاش فيهم مصدر روح الأبوة فيهم فألتقط الأبناء روح الثالوث وأدركوه، لا على مستوى البرهان العقلى، بل على مستوى الخبرة الحية المعاشة فى الكنيسة، من خلال وحدة الكنيسة (الله الواحد) وتنوع أعضائها (الله الثالوث) فالكنيسة (الإنسان) خلق على صورة الله ومثاله


التجسد والحياة :

كذلك عاش الآباء سر التجسد؛ فأدركوا كرامة الجسد وقداسة المادة وسلكوا كما يليق بتجسد الابن الوحيد فى العالم وسطنا... فكان التجسد الإلهى ينبوع تقواهم ونظرتهم المقدسة للجسد والمادة والعالم والكون... وألتقط الأبناء نفس الروح وعاشوها.

والأب الروحى فى قيادته لتلاميذه صاعداً بهم إلى القمة الروحية يأخذهم هويداً هويداً لئلا يستكدهم بحماس روحى مزيف، فروح الأبوة لا ينتقل من الأب إلى تلاميذه بطريقة فورية إنما يتطلب نمواً ناضجاً هيناً بصبر وطول أناه "هذا أصليه أن تزداد محبتكم أيضاً أكثر فأكثر فى المعرفة وفى كل فهم" (فى 9:1)، "أنس ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا فى المسيح يسوع" (فى 13:3،14).

والآباء الأقباط يعرفون أن نقطة الانطلاق لهذا النمو التدريجى الأصيل هى المعمودية... ففيها أخذنا كل موهبة وكل نعمة نحتاجها على مدى جهادنا الروحى الطويل بطول العمر... ودور الأب أن يطلق فينا هذه الطاقات تدريجياً.. ويدعمها يومياً بنعمة الإفخارستيا، فيصير الصليب - مترجماً عملياً بالمعمودية والأفخارستيا - ينبوع جهادنا ونمونا منسكباً فينا من خلال أنامل الآب الروحى.



3- الرعاية :

الراعى هو الأب الذى يقبل جميع أولاده - على علاتهم – ويهتم بإحتياجاتهم ويسهر على راحتهم ويحمل همومهم ويتوب عنهم "وكان لما دارت أيام الوليمة أن أيوب أرسل فقدسهم (أبناءه) وبكر فى الغد وأصعد محرقات على عددهم كلهم لأن أيوب قال: ربما اخطأ بنى وجدفوا على الله فى قلوبهم هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام" (أى 5:1).

والكاهن فى قبوله الجميع لا يجذبهم إلى نفسه بل إلى من يمثله ويخدمه، أى المسيح. وعندما يقبلهم إنما يرى فيهم المسيح "ما فعلتموه بأحد أخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم" (مت 40:25). لأن كل من أجتاز المعمودية قد صار بالحق عضواً فى جسد المسيح... والكاهن مستأمن على جسد المسيح؛ ليخدمه ومن هنا يصير اهتمام الكاهن بكل عضو فى الكنيسة هو اهتمام بالمسيح... نعم أن هذا الاهتمام المتسع مؤلم أحياناً كثيرة ويصلب الكاهن صلباً، ويحرمه من حقه الطبيعى فى الراحة والإجازة، ولكن رغم ذلك فالأب دائماً يفرح بفرح أولاده ونجاحهم وتقدمهم وشبعهم...لذلك يعلمنا أبونا قداسة البابا شنوده "إذا تعب الكاهن يسترح الشعب وإذا استراح الكاهن يتعب الشعب" ونحن كلنا خلفه نفضل أن يتعب الكاهن ليسترح الشعب... والكاهن يكسر ذاته فى إقدام وصبر وفرح بالآخرين... وهذا هو صليب المسيح... والخدمة لا تخرج عن كونها صليب المسيح... إن نخدم الناس يعنى أن نحيا فى محبة الله والناس، ومحبة الله هذه عُبّر عنها بالصلب "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو16:3)...

فالأب الكاهن يدخل فى خبرة هذه المحبة المصلوبة لأن هذا هو واقع خدمته... أنه يقدم حباً بلا حدود لشعب متسع متباين فى فكره وقبوله لخدمة الكاهن... قد يقابل حب الكاهن بعدم الاكتراث أو بالرفض ولكن على كل حال، فهو أب.. سيظل مجاهداً، ومنبهاً، ومقدراً، ومشجعاً على رجاء أن يخلص الابن ويقبل إلى الحق... فالمسيح نفسه "إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله" (يو 11:1) ولكنه أكمل سعيه نحو خلاص البشر حتى التمام لأنه أب يحب أولاده...

وكذلك الكاهن "إن كانوا قد اضطهدونى فسيضطهدونكم" (يو 20:15) فى "ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله" (يو 16:13).. فالكاهن يحمل نير المسيح وينحنى تحت أقدام الأبناء ليغسل قاذوراتهم وهو مترفق بهم "كنا مترفقين فى وسطكم كما تربى المرضعة أولادها. هكذا إذا كنا حانين إليكم كنا نرضى أن نعطيكم لا إنجيل الله فقط بل أنفسنا أيضاً لأنكم صرتم محبوبين إلينا... كنا نعظ كل واحد منكم كالأب لأولاده ونشجعكم ونشهدكم لكى تسلكوا كما يحق لله الذى دعاكم إلى ملكوته ومجده" (1تس 7:2-12)، وهذا الحمل لا يسبب تأففاً للأب ولا يمثل عبئ (جهد) غير محبوب، بل بالعكس يصرخ مع معلمنا بولس الرسول: "أفرح فى آلامى لأجلكم" (كو24:1) ففرحة الكاهن بعطائه تلزمه بأن يعطى أكثر مما ينتظره الناس منه، ليس آيات ولا أعمالا باهرة بل أبوة روحية حانية.

خدمة الكاهن هى أن يلد أبناء لله، ويتألم لأجل أبنائه وبسببهم كما يتألم معهم فى نموهم الروحى كأولاد لله، وهو لا يستطيع أن يلد حياة دون بذل حياته، ولكن العجيب والمفرح فى آن واحد أنه لا يبذل حياته هو، بل أن حياة المسيح هى التى تبذل وتنسكب من خلاله، وبقدر ما يبذل الكاهن نفسه حباً بالمسيح تكون الغلبة لحياة المسيح التى تعمل فى أولاد الله وتحييهم وهو معهم، لحياة أبدية... وبقدر البذل تستعلن الأبوة، وتتجلى صورة الله فى (أبونا) القديس.