عمل الروح القدس في بنيان الكنيسة




قسموا عمل الروح القدس في بنيان الكنيسة إلى:

(أ) خارجي: وهو ما عمله استعداداً لإقامة الكنيسة،

(ب) داخلي: وهو ما يعمله في قلب كل المؤمنين ليبني الكنيسة وينميها في الروحيات ويساعدها على أعدائها.


أولا: ماذا عمل الروح استعداداً لإقامة الكنيسة؟

* قام بأربعة أعمال:

(1) أعلن إرادة الله للبشر وما يطلبه منهم، وكشف طريق الخلاص لهم بأن أوحى بكتابة العهد القديم. قال بطرس (مشيراً إلى العهد القديم): «تكلَّم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس» (2بط 1: 21). وأوحى بكتابة العهد الجديد بدليل قول بولس «الذي (المسيح) في أجيال أُخر لم يعرَّف به بنو البشر كما قد أُعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح» (أف 3: 5) وقال يوحنا «مَنْ له أذنٌ فليسمع ما يقوله الروح للكنائس» (رؤ 3: 6).


(2) رافق المسيح في حياته الأرضية وتمّم ما يختص بتجسده وحياته وموته كفارةً عن خطايا البشر. لقد سبق وألهم الأنبياء و«سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها» (1بط 1: 11). ولما حان ملء الزمان لمجيء المسيح وتهيئة جسده (عب 10: 5) حلَّ على مريم العذراء، ولذلك دُعي القدوس المولود منها ابن الله. ثم أوحى إلى سمعان أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب، ثم أتى به إلى الهيكل عندما دخل بالصبي يسوع أبواه ليصنعا له حسب عادة الناموس، فسبّح الله وباركه على ذلك المنظر. ثم حلَّ على المسيح لإعداده ليتمم خدمته، فكان له «روح الحكمة والفهم والمشورة والقوة المعرفة ومخافة الرب» (إش 11: 2-4) ومسحه ليبشر المساكين ولينادي «بسنة مقبولة للرب» (إش 61: 1، 2). ثم حلَّ عليه على هيئة منظورة وقت معموديته لما بدأ خدمته الجهارية. ثم قاده إلى البرية ليلاقي المجرِّب، ورافقه أيضاً وهو عائد من هناك منتصراً. ثم قيل إن الله مسحه بالروح القدس والقوة، وإنه «جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس، لأن الله كان معه» (أع 20: 38). وبعد أن رجع بقوة الروح الذي أُعطي له بغير كيل (يو 3: 34) إلى الجليل، خرج خبرٌ عنه في جميع الكورة المحيطة و«كان يعلّم في المجامع ممجداً من الجميع» (لو 4: 14، 15). ولما عمل المعجزات رأى الناس «مجده، مجداً كما لوحيدٍ من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً» (يو 1: 14). وهو نفسه نسب تلك الأعمال إلى الروح القدس (مت 12: 18، 28). وقد أعانه ذلك الروح المبارك على إتمام عمله العظيم الذي أتى لأجله أي موته كفارةً عن الخطية كما شهد بذلك الرسول بقوله «الذي بروح أزليّ قدَّم نفسه لله بلا عيب» (عب 9: 14).


(3) ساعد الرسل ليتمموا العمل الذي كلفهم المسيح به، فأرشدهم وقوّاهم. صحيح أن المسيح دعاهم لخدمته، وكان يعلّمهم ويدرّبهم مدة إقامته معهم، ولكنه عندما فارقهم «أوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم» (أع 1: 2). وثبّت الروح القدس في قلوب التلاميذ كل ما علّمه المسيح لهم. وفي خطاب المسيح الأخير لتلاميذه حدّثهم عن أهمية عمل الروح واحتياجهم إليه، فقال إنه معلم الحق ومصدر التعزية، والذي يأتي من عنده ومن الآب ليحلَّ في قلوبهم (يوحنا 14-16) ويذكّرهم بكل ما قاله المسيح لهم (يو 14: 26). ويشهد له، ويُظهِر لهم أموراً آتية، ويتكلم فيهم حتى لا يكونوا هم المتكلمين بل روح أبيهم الذي يتكلم فيهم (مت 10: 20) وأنهم وهم يبشرون بالحق يتكلّمون لا بأقوالٍ تعلّمها حكمة إنسانية، بل بما يعلّمه الروح القدس (1كو 2: 13). ولما أرسلهم المسيح بعد قيامته قال لهم «اقبلوا الروح القدس» وكلَّفهم بعمل عظيم في الكنيسة (يو 20: 22، 23). وأمرهم أن يقيموا في مدينة أورشليم إلى أن يُلبَسوا قوةً من الأعالي (لو 24: 49). وقال لهم أيضاً بهذا المعنى «وأما أنتم فستتعمّدون بالروح القدس» (أع 1: 5). «وستنالون قوةً متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض» (أع 1: 8). وحلّ عليهم الروح القدس بقوةٍ عظيمة، ونالوا موهبة التكلم بالألسنة، وابتدأوا يتممون خدمتهم بكل نشاط وحكمة، غير مكترثين بالاضطهاد ولا بالشيطان ولا بقوات هذا الدهر. وهكذا كان مصدر حكمة الرسل وفضائلهم.


(4) علّم مبادئ الدين المسيحي، من الصدق والاستقامة في كل قول وعمل. وفي قصة كرنيليوس القائد الروماني علّمنا أن الله فتح باب الخلاص للأمم، لأن الروح أمر بطرس أن يذهب مع الرجال الثلاثة إلى كرنيليوس (أع 10: 19). ولما حضر بطرس في قيصرية وخاطب كرنيليوس وأنسباءه وأصدقاءه في شأن المسيح حلَّ الروح القدس على الجميع (أع 10: 44) وسكب عليهم مواهب مختلفة (أع 10: 46، 47). وهو الذي أرسل بولس وبرنابا ليبشرا بالإنجيل بين الأمم، بقوله للإخوة «افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتُهما إليه» ثم قيل إنهما «أُرسِلا من الروح القدس» (أع 13: 2، 4). ثم رافق التلاميذ في كل أسفارهم، وملأ قلوب المؤمنين فرحاً، وأرشدهم وساعدهم في تنظيم الكنائس وانتخاب القسوس أو المشايخ (أع 13: 9، 52 و14: 23). ولما تباحثوا في شأن قبول الأمم ناموس موسى واجتمع المجمع الرسولي للنظر في ذلك، حكم الروح القدس في المجمع في هذه المسألة فقال أعضاء المجمع «لأنه قد رأى الروح القدس ونحن..« (أع 15: 28). وهكذا عمل الروح ليقيم النظام الإنجيلي في العالم.


ثانيا- ماذا يعمل الروح القدس لبنيان الكنيسة؟
* يقوم بسبعة أعمال:

(1) ينير: قال الرسول إن البشر «مظلمو الفكر ومتجنّبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم» (أف 4: 18). أي أنهم في حالة الجهل والابتعاد عن الله. ولذلك أخذ الروح القدس على نفسه أن ينير عقولهم بكلمة الحق الإلهي المعلَن للبشر إلى أن يتمكن كل إنسانٍ من أن يرى حالته كما هي، ويرى احتياجه إلى الوسائط المعيَّنة لخلاصه. ولا وسيلة للتخلص من تلك الجهالة إلا بهذا العمل الإلهي. ولما كانت كلمة الله فعَّالة وكافية لتقشع ظلمة عقل الإنسان وتنيره وتوضح الحقائق له فيقدر أن يميّز الحق من الباطل ويغلب روح الضلال سُميت تلك الكلمة «سيف الروح».


(2) يُقنع سامع رسالة الإنجيل: يقنعه بأنه خاطئ تحت طائلة العقاب بمقتضى حكم شريعة الله العادلة، وأنه يحتاج لمن ينقذه من غضب الله الآتي. فالإقناع يتلو الإنارة، لأنه يجعل النفس تشعر باحتياجها، وبأنها بدون رحمة الله في حالة الهلاك الأبدي كما قال المسيح: «ومتى جاء ذاك (الروح) يبكّت العالم على خطيةٍ وعلى برٍّ وعلى دينونةٍ» (يو 16: 8).


(3) يجدد: وهو عمل الروح القدس الخاص الذي به نولد ثانية ونبدأ حياة جديدة روحية. وأوضح المسيح هذا العمل الخطير في حديثه مع نيقوديموس (يو 3: 1-8). وسمَّاه بولس «تجديد الروح القدس» (تي 3: 5). وسمَّى الذين تجددوا في المسيح «خليقة جديدة» (2كو 5: 17). وهذه الولادة الروحية هي من أسرار الديانة المسيحية، لأننا لا نشعر بها إلا حين نجد أنفسنا في حياة روحية جديدة وقد كرهنا الخطية وأحببنا القداسة وآمنّا بالمسيح واخترنا طريق الصلاح، فنقول إذ ذاك كالإنسان الأعمى الذي نال البصر «نعلم شيئاً واحداً: : أننا كنا عمياناً والآن نبصر» وعند ذلك نمجد الله على عمله فينا.


(4) يمنح التبني: سُمّي «روح التبني» (رو 8: 15). وهو الدخول في علاقة جديدة مع الله بالولادة الروحية والإيمان بالمسيح، فنصير أولاده ليس لأنه خلقنا فقط، بل لأنه فدانا أيضاً. وبذلك نصير ورثة الله ووارثين مع المسيح. وبما أن الروح القدس هو الذي يُدخلنا في هذه العلاقة، والذي يشهد لأنفسنا أننا أولاد الله، ويعلّمنا أن نقول «يا أبا الآب» وبه نقترب إلى الآب فيكون «لنا قدوم في روح واحد إلى الآب».


(5) يقدّس: وهو فعله فينا، الذي به يطهّرنا من نجاسة الخطية ويجعلنا ننمو في القداسة والمعرفة وجميع الفضائل الروحية «اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا» (1كو 6: 11). ويتمم الروح هذا العمل فينا بسيطرته على عواطفنا، ومرافقته لنا على الدوام، وإرشادنا (رو 8: 1-15) حتى تصير أجسادنا هياكل الروح القدس، ويحل روح المجد والله علينا (1بط 4: 14) وبذلك يقوينا في الداخل ويكملنا وينمي فينا أثماره المباركة (غل 5: 22، 23 وأف 5: 18-21). وقد سُمي «روح النعمة» إشارةً لعمله في قلوبنا (عب 10: 29). و«روح القداسة» لأنه يقدسنا (رو 1: 4). و«المعزي» لأنه يعزينا في أحزاننا (يو 14: 26). و«روح الموعد القدوس» لأنه هو الذي يبلغ مواعيد الله إلى قلوبنا، وهو أيضاً عربون إنجازها (أف 1: 13). وسُمي أيضاً «روح الرجاء» (رو 15: 13) ونتوقع الرجاء المبارك بالصبر والثبات حسب قول بولس «فإننا بالروح من الإيمان نتوقَّع رجاء بر» (غل 5:5).


(6) يرشد وينشّط ويقوي على إتمام كل واجباتنا: فهو الذي يُعِين ضعفاتنا، ويشفع فينا بحسب مشيئة الله، ويرشدنا في الصلاة. «الروح أيضاً يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّاتٍ لا يُنطق بها» (رو 8: 26). وقال يهوذا «مصلّين في الروح القدس» (آية 20).


(7) يقيم أجسادنا في القيامة المجيدة: لأنه «إن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام يسوع من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم» (رو 8: 11).
الروح القدس إذاً هو مصدر الحياة الروحية في الإنسان، ومصدر نموّها المستمر، إلى أن يصل المؤمن إلى حالة الكمال عند دخوله السماء وينال النصيب الأبدي المعيَّن لأولاد الله. فيستحق الروح محبتنا وعبادتنا وشكرنا مع الآب والابن إلى الأبد.