يعقوب بن زبدي
«فرأى أخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في السفينة مع زبدي أبيهما يصلحان شباكهما فدعاهما» (مت 4 : 21).

مقدمة
هناك مثل يقول : «إن الحياة أقوى من الناس» ولعل المقصود من ذلك أن تيار الحياة أقوى من جهد السابح في نهرها، وقد صاح إرميا وهو يتبين هذه الحقيقة : «عرفت يارب أنه ليس للانسان طريقه. ليس لإنسان يمشي أن يهدي خطواته» (إر 10 : 23) وقصة يعقوب بن زبدي وأخيه خير دليل على ذلك، ألم تأت أمهما معهما لتطلب من المسيح أن يجلس واحدًا عن يمينه والآخر عن يساره، ولا ضير في ذلك مهما يتزحزح مركز التلاميذ الآخرين في هذا الاتجاه أو ذاك، ولم يجبها المسيح إلى طلبتها، لأنه لو أجابها، لأخذ الأخوان مركز اللصين عن اليمين وعن اليسار، في حادث الصلب الوشيك الوقوع، كما أن الأخوين لم يزحزحا صف التلاميذ، بل تزحزح مكانهما هما في المصير، ووقفًا على الطرفين من الاثنى عشر، إذكان يعقوب أول من مات شهيدًا في الصف الطويل من الرسل، وقد سقط بعده كل واحد منهم شهيدًا. ولم يفلت من الاستشهاد سوى أخيه يوحنا الذي بقى أكثر من خمسين عامًا بعد موت أخيه، إذ مات يعقوب على الأغلب عام 44م ومات أخوه حوالي نهاية القرن الأول في عام 98م على ما يذكر جيروم.. وسبحان موزع الأنصبة المختلفة في الحياة والوزنات والمواهب والأعمار حتى ولو كان التوزيع بين الأخوين الشقيقين، ابني زبدي وسالومة أمهما!! وها نحن نتابع قصة الأخ الأكبر يعقوب فيما يلي :

يعقوب من هو
كان يعقوب على ما يبدو الابن الأكبر لزبدي وسالومي،وهو الاسم الذي ترجم عند الغربين بألفاظ مختلفة. فهو في انجلترا «جيمس» وفي فرنسا «جاك» وفي أسبانيا «جاجو» الأسماء التي أخذها العالم الغربي عن الصيادين القدامى، وأطلقها على الملوك والعامة، وكانت مصداقًا لجواب المسيح على سؤال بطرس عندما قال : «ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك. فماذا يكون لنا» (مت 19 : 27) ورد المسيح بأنه لن يعطيهم الحياة الأبدية فحسب. بل يأخذ أيضًا مائة ضعف في الحياة الحاضرة، وقد أخذوا في الواقع آلاف الأضعاف من ذيوع الشهرة وعظمة المجد، فبطرس الأكبر في روسيا يحمل اسم بطرس الصياد. وجيمس استيورت أول ملك يحمل اسم يعقوب، كان ملكًا على انجلترا واسكتلندا معًا، ومن المرجح أن سالومة أمه التي تقدمت إلى المسيح يطلب أن يكون أحد ابنيها عن يمين السيد والآخر عن يساره كانت أخت العذراء مريم، وأنها بحكم هذه القرابة الجسدية، ظنت أنها تستطيع الوصول إلى مقاعد الحكم مع المسيح، وقد جهلت تمامًا أن أسلوب الله في حياة الناس يختلف عن أسلوب البشر كل الاختلاف، وأن السيد الذي جاء ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد، لا يمكن أن يقيم العلاقة على أسس بشرية جسدية، وعلى أي حال فالواضح من القصة الكتابية أن زبدي وسالومة كانا أبوين تقيين، وأن الأخوين يعقوب ويوحنا نشأ في بيت، كان الأب فيه استعداد أن يدع ولديه ليسيرا وراء السيد بدون أدنى معارضة أو تردد. تاركين الشباك الأرضية ليمسكا شباكًا أعظم وأجل في سفينة أعظم وأمجد، وكانت سالومة عميقة الإيمان، ومهما تكن رغبتهما في مركز ولديها إلى جانب المسيح، فإنها في الواقع كانت الرغبة المرتبطة بالولاء المطلق للسيد المبارك العظيم! كما أنها واحدة ممن خدمن السيد من أموالهن وأحضرت الحنوط قبل السبت لتحنيطه، وذهبن إلى القبر في يوم القيامة!! ويبدو أن الأسرة كانت على حظ غير قليل من اليسير أو الثروة، إذ أنهاكانت تملك لا سفينة للصيد فحسب، بل كان هناك الأجرى الذين كانوا يستخدمون للمساعدة في الصيد والخدمة، ومن المتصور أنها كانت أيضًا تملك بيتًا في أورشليم، يذهب إليه أفرادها كلما وجدوا هناك في المدينة، هذا هو يعقوب وأخوه اللذان سارا في طليعة التلاميذ، وكانا من الصفوة المختارة من تلاميذ السيد!!

يعقوب والدعوة للخدمة
لم تكن دعوة يعقوب مؤسسة على مجرد القرابة بالجسد ليسوع المسيح، فالمسيح لم يدع أحدًا للخدمة استجابة لنداء الدم البشري، ولم يعط سلطانه مطلقًا على أساس المولد من الجسد أو مشيئة الرجل، ومن المؤسف أن أخوة المسيح حسب الجسد، لم يؤمنوا به، ولم يثقوا بشخصه إلا بعد القيامة، بل لقد زادت المسافة تباعدًا بينهم وبينه، إذ أرادوا ذات مرة أن يمسكوا به عنوة، بزعم أنه مختل، وسوف نعرض لهذا عندما نتناول شخصياتهم في حينها، على أي حال فإن المسيح لا يعطي الخدمة، على النظام اللاوي، بالتوارث، ولا يشترط أن ابن الخادم أو الراعي يأخذ مكان أبيه أو يكون على غراره لمجرد أنه ابنه ووارثه، فقد انحصرت الخدمة الدينية للهيكل في سبط لاوي، باعتبار أنه السبط الذي أفراز للخدمات الدينية في وسط الأسباط وانتهى هذا النظام إلى الأبد، وجاء المسيح علىرتبة ملكي صادق، وجعلنا جميعًا ملوكًا وكهنة لله أبيه، وهو يدعو الإنسان بشخصه للرسالة التي سبق فأعدها له لكي يسلك فيها، إن القرابة الجسدية قد تصلح لأن تعطي الإنسان حقوقًا أرضية أو امتيازات بشرية، لكنها لا يمكن أن تكون الأساس التي تبني عليه الخدمة الدينية، على أن هذا لا يعني - من الجانب الآخر - استحالة أن يحذو المرء حذو أبيه أو قريبه في الخدمة، متى كانت دعوة الله واضحة أمامه، ومن الواضح أن الله كما يريد الدعوة الفردية، فانه مرات كثيرة ما يسر بالدعوة الأسرية، كما نرى هنا الأخوين توجه لهما الدعوة في يوم واحد، كما دعى بطرس وأندراوس أيضًا للتلمذة والخدمة!! وما أجمل أن تتقدم الأسرة بأكثر من ابن إلى الخدمة المقدسة!!
ونحن لا نعلم بالضبط كيف التقى المسيح بيعقوب بن زبدي، إذ لا يذكر الكتاب شيئًا واضحًا، على غرار الصورة التي بدت في قصة بطرس وأندراوس وكيف جاء الأصغر بالأكبر إلى المسيح، هل فعل يوحنا الشيء ذاته، وهل عاد يوحنا بعد اللقاء العظيم مع السيد، عندما التقى به ومعه أندراوس، وقضيا يومًا سجله الرسول بعد ما يقرب من الخمسة والستين عامًا ولم يفته أن يقول عن لقائه بالسيد : «وكان نحو الساعة العاشرة»!؟ هل عاد ليقص على أخيه انطباعه العميق بذلك اليوم الخالد!؟ وهل عاد ليذكر له دون ملل شتى الأحاديث التي دارت، وكيف ألهبت مشاعره، وأثارت أعماقه، ورفعت في كيانه أعظم أحلام اليهودي، الحديث عن المسيا!؟ إن أى حديث مع السيد لا يشبع النفس فحسب، بل يرفعها فوق أجنحة النسور، بالرؤى المحلقةفوق دنيا المعاناة والتعب والمشقة والضعة والاسفاف التي تثقل أكتاف الناس على الأرض، على أي حال، من المؤكد أن يوحنا أخبر أخاه بهذا اللقاء، وأن المسيح التقي بيعقوب لقاء على غرار اللقاء مع بطرس وأن ابن الرعد اهتز من الأعماق وأصبح تلميذًا للمسيح، قبل أن يتفرغ للخدمة، وأن ما جاء في الأصحاح الرابع من إنجيل متى بالنسبة للأربعة التلاميذ، لم يكن دعوة للتعرف به، وهو ما لاشك تم من قبل. بل كان دعوة للتفرغ للخدمة : «وإذ كان يسوع ماشيًا عند بحر الجليل أبصر أخوين سمعان الذي يقال له بطرس وأندراوس أخاه يلقيان شبكة في البحر فإنهما كان صيادين،. فقال لهما هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس. فللوقت تركا الشباك وتبعاه. ثم اجتاز من هناك فرأي أخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في السفينة مع زبدي أبيهما يصلحان شباكهما فدعاهما. فللوقت تركا السفينة وأباهما وتبعاه» (مت 4 : 18-22) وهل لك أن تتخيل منظر الأربعة أمام المسيح لتأخذ أجمل دروس الدعوة وأجلها، عند بحر الجليل، وفي اللقاء مع الأربعة بدت أعظم حركة لتغيير وجه الأرض، ومن المثير أنها بدأت بأربعة، قديمًا صاح زكريا النبي وهو يرى يوم الأمور الصغيرة في بناء الهيكل وزربابل يتعثر ويتوجس خوفًا من الطريق : «لأنه من ازدري بيوم الأمور الصغيرة.، فتفرح أولئك السبع ويرون الزيج بيد زربابل. إنما هي أعين الرب الجائلة في الأرض كلها» (زك 4 : 10) وكما فرحت عين الرب قديمًا وهي ترى العائد من السبي يمسك بزيج البناء، ويضع الأحجار الأولى في بيت الله حجرًا فوق حجر ويصفها بعضها فوق بعض مستخدمًا الزيج للتأكد من استقامة البناء المرتفع دون بروز حجر إلى الخارج أو ميله إلى الداخل، هكذا فرحت عين المسيح في ذلك اليوم العظيم على بحر الجليل، وهو يضع الأحجار الأولى في بناء هيكل الله العظيم، كنيسته المباركة. وأغلب الظن أن الوقت كان فجرًا أو صباحًا مشرقًا، أخذت تسكب الشمس فيه شعاعاتها الأولى مع الصباح، لأن بطرس وأندراوس كان يلقبان الشباك، وأفضل أوقات الصيد الليل أو الصباح الباكر الهاديء دون حركة أو ضجيج، وكان ابنا زبدي يصلحان الشباك ربما بعد ليلة قضياها في الصيد أو تأهبا لاقتناص الفرصة مع تباشير الصباح الأولى، كان الوقت كما يمكن أن نتخيل هادئًا مشرقًا، وجاء المسيح أمام بحر العالم، ليمسك بأول أربعة باكورة الصيد العظيم من المومنين في كل التاريخ، وكان هو شمس البر المشرقة بعد ظلمة الليل القاسية على الأرض!
كانت الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل كما يقولون، وما أجلها من خطوة وأمجدها وأعظمها، ومن العجيب أن المسيح لا يشغل مثلنا بكثرة العدد أو ضجيج الجماهير، بل حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه فهناك يكون في وسطهم، ولا يقتصر الأمر على العدد، بل الأكثر إثارة والأدعى إلى العجب هو النوع، إذ لو قيل إن المسيح دعا أربعة ملوك أو أباطرة، من ملوك وأباطرة الأرض، لبدا المنظر جليلاً رهيبًا، لأربعة يتحكمون في مصائر الشعوب والبشر، وهم يقفون مع السيد على شاطيء البحر، بثيابهم العظيمة ومظهرهم الجليل، وربما بأوسمتهم التي تملأ الصدور، وتخلب اللب، ولكن المسيح تجاوز أباطرة الدنيا بأكملها، ولم يقدم لخدمته واحدًا من الأباطرة حتى ولو كان طباريوس قيصر نفسه، ولم يتحول المسيح ليأخذ أربعة فلاسفة مستغرقين في حوارهم وتأملاتهم، وما يمكن أن يخرجوا به إلى العالم من نظريات المعرفة والحكمة والعلم!! ربما أخذ سقراط وأفلاطونيحاوره، وعلم أفلاطون أرسطو قبل أن يصبح التلميذ فيلسوفًا عظيمًا، لكن المسيح لم يأخذ واحدًا من فلاسفة الدنيا، يهز المسكونة بعبقريته وقدرته على التحليل والابداع، لقد تحول المسيح عن حكماء الأرض، وقادة الفكر فيها! ولم يناد المسيح أربعة من ملوك المال، الذين يقبضون بأيديهم على خزائن الذهب وكنوز العالم! كما أن السيد لم يناد أربعة من القواد العسكريين الذين تلمع على أكتافهم أو صدورهم الشارات أو النياشين أو يحملون أدوات الحرب والقتال، لم يحدث شيء من هذا عند بحر الجليل، بل حدث العجب! إن الأربعة كانوا أربعة صيادين فقراء تفوح من ثيابهم رائحة السمك، ولا يحملون من العلم والمعرفة إلا أضأل الدراسات وأقل المعارف!! وكانوا نواة أعظم مجموعة عهد إليها المسيح في تغيير العالم، أعتقد أن هذه الصورة يمكن وحدها أن تقنعنا بأن قائد المجموعة لا يمكن أن يكون مجرد إنسان، بل هو في الحقيقة الله الذي ظهر في الجسد!! على أنه من الواجب أن نلاحظ في هذه الدعوة، أن المسيح لا يمكن أن يدعو الإنسان الخامل أو يستريح إليه، لقد جاء المسيح إلى أربعة كانوا يجهدون أنفسهم في العمل، فبطرس وأندراوس كانا يلقيان الشبكة في البحر، وكان يعقوب ويوحنا يصلحان شباكهما، لقد جاء إلى الأربعة وهم يعملون، سواء باستخدام الشبكة أو إصلاحها، قد يكون الأربعة من أضأل الناس حظًا، ومن عامتهم في الأرض، لكنهم مع ذلك كانوا أمناء في العمل الصغير البسيط الذي كانوا يقومون به، وكانت لهم روح الأمانة والمثابرة والجد، وكانوا يحملون الخلال والصفات التي هي نواة لكل بطولة في الأرض! والمسيح عندما يدعو خادمًا للخدمة والرسالة، فإنه أغلب الظن لا يدعوه إلا نادرًا - وهو يأكل بملعقة من ذهب، أو من فراش ناعم وثير!! إن المسيح يطلب دائمًا الصياد الذي يرى وجهه مبللاً بالعرق، وعضلاته مفتولة من الكفاح، وعلى وجههتصميم النضال الصابر، والسهر الذي قد يتبعه الليل كله دون أن ينال شيئًا، إنه في حاجة إلى الصادق الأمين، الذي يقول له في اليوم الأخير : كنت أمينًا في القليل أقيمك على الكثير!! ومن الواضح أن المسيح وهو يدعو الأربعة إلى صيد الناس يحول المهنة إلى الرسالة، أوبتعبير أدق، يلمس المهنة لكي تتحول إلى رسالة، فمباديء الصيد في السمك والناس واحدة، وخلال الصياد وأسلوبه متماثلة في الاثنين. وكم يحتاج صياد السمك إلى الانطلاق في البحر فوق المياه وتحت السماد وهو يكافح الأمواج العاتية أو ينساب فوق المياة الهادئة هكذا يفعل صياد الناس، وما يحتاجه أحدهما إلى الصبر والاحتمال والتعب والرجاء يحتاجه الآخر، والهدف عند كليهما مركز ثابت!
ولعل مما يدعو إلى الإعجاب، الجواب على الدعوة : «فللوقت تركا الشباك وتبعاه» . «فللوقت تركا السفينة وأباهما وتبعاه» وهل هناك تصميم أروع من هذا التصميم، «فللوقت» التي تكررت مرتين، والمغزى العميق البعيد فيها، درس واضح بيّن يجدر بنا أن نتوقف إزاءه لنعلم القبول من حيث عامل الزمن فيه، إذ هو قبول حاسم دون شبهة أو تردد أو تلكؤ أو إهمال!!. كما أن القول «تركا» يتحدث عن القبول من حيث عامل التضحية، والثمن المدفوع فيه» لقد تركا «الشباك» «السفينة وأباهما» أو في لغة أخرى تركا المهنة والأسرة والثروة في الانطلاق صوب المجهول في الخدمة العظيمة!!. ليس من السهل أن نتصور المشاعر في الكلمة «تركا» وليس من الميسور الحديث عن السفينة، وأكثر من السفينة «أباهما» كان هذا وداعًا رائعًا عظيمًا للعالم القديم، والأربعة يستجيبون لدعوة الله العليا في المسيح يسوع!! وهكذا فعل يعقوب بن زبدي وصحابه في ذلك اليوم الخالد على بحر الجليل!!

يعقوب والإعداد للخدمة
كانت خدمة يعقوب بن زبدي أقصر خدمة بين رسل المسيح وتلاميذه الاثنى عشر بعد أن خرج من القافلة يهوذا الأسخريوطي، ومنذ لقائه مع المسيح على بحر الجليل إلى استشهاده على يد هيرودس كانت المدة سبعة عشر عامًا، قضى منها ثلاث سنوات في صحبة السيد يتدرب على الخدمة، ومن الواضح أنه كان واحدًا من الدائرة الأضيق في التلاميذ، إذ ما أكثر ما صاحب المسيح في هذه الدائرة، سواء في بعض الخدمات أو المعجزات كمثل إقامة ابنه يايرس : «ولم يدع أحدًا يتبعه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب» (مرقس 5 : 37) أو في التجلي : «وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين» (مت 17 : 1).. أو في جثسيماني : «ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب» (مت 26 : 37).. أو يمكن أن نرى الخدمة هنا في أوضاعها الثلاثة : في قوتها، ومجدها، وآلامها، لقد رأى يعقوب المسيح المقتدر على الموت، صانع المعجزات، وما من شك في أنه وقف أمام الصبية الصغيرة التي أعادها المسيح إلى الحياة، مذهولاً ومندهشًا، أمام عظمة سيده، وعندما أرتفع إلى أعلى جبل التجلي، ورآه في مجده الأسنى، ومعه موسى وإيليا، تعاظم السيد أمام عينيه، بل صغرت معاني الحياة الحاضرة في ضوء الأبدية، التي هي أعظم وأمجد، عندما رأى سيده يواجه الصليب في جثسيماني، بل يسير بخطاه العظيمة نحو الموت، فداء للجنس البشري!!. كل هذه الدروس وغيرها في صحبة المسيح ثلاثة أعوام أعدته ودربته على الخدمة التي كان عليه أن يقوم بها فيما بعد!! وقد أطلق المسيح عليه وعلى أخيه «ابني الرعد» للطبيعة الثورية النارية التي جبلا عليها، لم يكن يعقوب بطبعه هادئًا وادعًا ساكنًا آمنًا، بل إن نارًا تتلظى في داخله، فإذا عامل السامريون المسيح معاملة قاسية خشنة جافة، فهو لا يقبل هذا على الإطلاق، وإذا هو وأخوه يتحولان إلى صورة متكررة من إيليا النبي، وهما يطلبان أن تنزل نار من السماد لتحرق القرية، ويبدو أنهما ألحا على المسيح في ذلك «فالتفت وانتهرهما وقال لستما تعلمان من أي روح أنتما، لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص» (لو 9 : 55 و56) ومن المعتقد أن المسيح لم يبدل طباع الأخوين، لكنه بالأحرى حولها في اتجاه الخير، فالنار التي تحرق، هي بعينها التي يمكن أن تحرك الآلات والمصانع، وتلعب الدور العظيم في الحياة كلها، والتجديد لا يقلب طباع الناس فيجعل الهادي نارًا، والملتهب ماء!! إنه بالأحرى يحول هذه الطباع حتى تلتهب في عمل الله، وتغار لاسمه ومجده، وقد تدرب يعقوب على تحويل طاقته الكامنة وحرارته الملتهبة لخدمة المسيح ومجد الله في اأرض! وكان الرجل إلى جانب ذلك واسع الرؤيا، قوي الرجاء، طموحًا إلى أبعد الحدود وقد كشف المسيح الصورة الحقيقية لمسار الطموح ونهايته، وربطه بعامل إلهي، وآخر بشرى، إذ أن مراكز الناس في الأرض أو السماء معينة أساسًا بالمشورة الإلهية الأزليةالثابتة الحكيمة، وأن حظوظ الناس في الحياة، تسير - إذا أدركوا الحقيقة - وفق إرادة الله المتسلط في مملكة الناس، ولعل صلاة حنة أم صموئيل تكشف هذه الحقيقة بأروع مظاهرها ومعانيها : «لا تكثروا الكلام العالي ولتبرح وقاحة من أفواهكم لأن الرب إله عليم وبه توزن الأعمال، قسي الجبابرة انحطمت والضعفاء تمنطقوا بالبأس. الشباعى آجروا أنفسهم بالخبز والجياع كفوا. حتى إن العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت. الرب يميت ويحيي. يهبط إلى الهاوية ويصعد. الرب يفقر ويغني. يضع ويرفع. يقيم المسكين من التراب. يرفع الفقير من المزبلة للجلوس مع الشرفاء ويملكهم كرسي المجد» (1 صم 2 : 3-8).. على أنه من الجانب البشري، إن العظمة مرتبطة دائمًا بالجهد والتعب والتضحية والمشقة، وهي في لغة السيد المسيح الصبغة والكأس، وإنه لا يمكن لأحد أن يبلغ المجد دون أن يصطبغ بصبغة المسيح، ويشاركه كأسه وعاره وآلامه، وقد أكد ابنا زبدي استعدادطهما لذلك، واتماه مع الأيام!! على أي حال لقد وجهما السيد المسيح إلى الخدمة كالطريق الصحيح المرتب من الله للمجد والعظمة، وعلى الإنسان أن يسلك فيها، تاركًا لله المكان الذي يحدده بنعمته للإنسان في المجد!!

يعقوب واستشهاده
ليس لنا علم كبير بالخدمات التي قام بها يعقوب في الكنيسة، لكنه وهو واحد من الأعمدة، امتدت إليه أنظار هيرودس كرفيق لبطرس وزميل له، وبدأ بالقبض عليه، وقتله، ولعلنا نلاحظ الصراع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، ونصيب الهيرودسيين في الشر والقسوة والقتل، لقد قتل هيرودس الكبير أطفال بيت لحم، وهيرودس الثاني يوحنا المعمدان، وهيرودس الثالث يعقوب بن زبدي!! على أن السؤال الذي يطوف دائماً بالأذهان : هنا تلميذان يقعان تحت يدي مضطهد واحد، فماذا يسمح الله بأن يقتل واحد منهما وينجو الآخر، قال أحدهم إننا نجد أنفسنا أمام سر من الأسرر العالية التي لا تستطع القدم البشرية، أن تطأ موقعها المقدس، وإن حاولت الاقتراب فلتخلع نعليها، ولتغطي وجهها باحترام أمام الله، وهناك من الأسرار ما لا يمكن حله في الأرض، وسيبقى غامضًا إلى أن تشرحه السماء!! كان يعقوب أول الاثنى عشر في الاستشهاد، وهو الثاني بعد رجم استفانوس، وكشف الله في موته ونجاة بطرس حكمة الله وقدرته معًا، أما الحكمة فتبدو في أن موت يعقوب انتهى إلى عكس النتيجة التي كان يحلم بها اليهود : «وفي ذلك الوقت مد هيرودس الملك يديه ليسيء إلى أناس من الكنيسة، فقتل يعقوب أخا يوحنا بالسيف وإذ رأى أن ذلك يرضي اليهود عاد فقبض على بطرس أيضًا» والتصور البشري الدائم هو أن الاضطهاد يسحق الكنيسة ويقوض أركانها، ولكن حكمة الله أظهرت العكس إذ أن دم الشهداء بذار الكنيسة، وهو الذي وسعها ونماها، وكشف للناس أن الإنسان الذي جاء به الله إلى معرفته والشركة معه، هو الإنسان الذي لا يأبه لاضطهاد أو يخشى موتًا، بل بالحري يسترخص كل شيء، حتى الحياة نفسها، من أجل معرفة المسيح والوجود فيه، وإذا صحت رواية يوسابيوس فيما أخذه عن أكليمندس الكسندري من أن شجاعة يعقوب أمام الموت وشهادته لسيده، أذهلت الجميع، وعلى وجه الخصوص الرجلالذي وشى به، وقدمه للمحاكمة، وقد قيل إن الرجل قبل المسيحية، وطلب أنه إذا بدت حكمة الله في موت يعقوب، فقد ظهرت قدرته في إنقاذ بطرس، ومهما يكن الطغيان البشري فإن الله أعظم وأقدر، وإن المصير لا يحكمه في الحقيقة سلطان بشري، بل الإرادة العليا الصالحة في السماء!
خدم يعقوب أربعة عشر عامًا، وقيل إنه ذهب إلى الهند، وهناك من يقول : إن خدمته امتدت إلى أسبانيا، ثم عاد إلى أورشليم، وإذ كان مقدامًا شجاعًا بارزًا بين التلاميذ، امتدت إليه يد هيرودس، وذهب الرجل في موكب الخالدين أول شهيد بين الرسل الأثنى عشر، وتأخر أخوه إلى النهاية ليموت موتًا طبيعًا، ويقف الأخوان كما ذكرنا على الطرفين ولكن لا على يمين المسيح ويساره، بل على اليمين واليسار في صف الأثنى عشر في الشهادة والاستشهاد، وسبحان موزع أنصبة الناس بالحق والحكمة والجلال والعظمة هنا في الأرض، أو هناك في المجد العتيد في السماء!!