مقدمة

في صباح يوم من الأيام كان الأسقف لايتن عائدًا إلى بيته، فسألته أخته: هل سمعت عظة!!؟ فأجاب: كلا بل لقيت عظة!!؟ ويقصد أنه رأى شخصًا أوحى إليه بعظة عظيمة، ولعلنا اليوم ونحن نرى هذا المفلوج سنلتقي بعظة رائعة! وكم يكون من الرائع أن نرى إنسانًا يرغب في الشفاء، دون أن يملك القوة على السعي بقدميه إلى يسوع المسيح، ونرى أربعة لعلهم من أقربائه أو أصدقائه، لا يحلون له مشكلة السعي فحسب، بل يكافحون الصعاب حتى يمثل الرجل في حضرة المسيح، وهم يكشفون بذلك عن رسالتنا في حمل المرضى والخطاة إلى السيد المبارك، وسيعطي المسيح الدرس الأعظم، إذ يكشف عن حاجة أخرى أهم من حاجة الجسد، لقد سعى المفلوج إليه بحثًا عن الشفاء من مرض الجسد، ولكن المسيح غاص إلى الأعماق، ليستأصل السبب الذي كان خلف هذا المرض وسرًا له، ... وهكذا ينقلنا المسيح إلى البرزخ البعيد الفاصل بين أفكارنا وأفكاره، وطرقنا وطرقه، ويعلمنا على الدوام أنه في الموازنة بين الروح والجسد، لا يمكن إلا أن نبدأ بالروح وننتهي بالروح، ومهما كانت أهمية الجسد عنده، فهو ليس إلا وعاء للروح،والغلاف الذي تستقر فيه، ومن الحماقة أن نصرف اهتمامنا إلى الغلاف، وننسى الوديعة أو الجوهرة الكامنة فيه!!.. وهذا للأسف ما يفعله العالم، إن قصة المفلوج تعلمنا الموازنة الصحيحة. ووضع الأشياء حيث ينبغي أن توضع! ومن ثم يحسن أن نراها فيما يلي:





المفلوج ومرضه

لانعلم كثيرًا عمن هو هذا المفلوج!! ويبدو أنه كان شاباً في ريعان الشباب عندما جاءوا به إلى المسيح، لأن لغة المسيح له «يابني.. تفيد - على الأغلب - أنه كان حديث السن... ولا نعلم متى وكيف أصابه هذا الفالج أو الشلل الكامل، ولا نعلم هل كان بسبب الخطية أم لا، لكن من المعتقد أن الشاب في مطلع حياته - أوغل في الإثم، وتمادي في اشر، وربما كان ذلك هو السبب المباشر فيما انتهى إليه من الشلل التام، على أي حال إن الشلل يرمز إلى الخطية من نواح ثلاث: أولها أن المريض بالفالج يكون عديم الحساسية أو ضعيفها، والخاطيء عديم الحس أو كما يقول الرسول في وصف الأمم البعيدين عن الله : «الذين إذ هم قد فقدوا الحس أسلموا نفوسهم للدعارة ليعلموا كل نجاسة في الطمع» (أف 4 : 19) «عيناك تنتظران الأجنبيات وقلبك ينطق بأمور ملتوية وتكون كمضطجع في قلب البحر أو كمضطجع على رأس سارية، يقول ضربوني ولم أتوجع. لقد لكأوني ولم أعرف. متى أستيقظ. أعود أطلبها بعد» (أم 23 : 34 ، 35). ثانيًا: إن عدم الاحساس يصل مرات كثيرة عند الخاطيء إلى اللامبالاة والاستهتار.. قال الشاب لمدرب الثعابين: إني لا أخشى ثعبانك هذا الذي تقول إنه خطر جدًا، ثم مد يده فجأة وقبض على عنق الثعبان، ولم يستطع الثعبان أن يعضه، وضحك الشاب وهو يبصر جسد الثعبان يتلوي، على أن الثعبان جعل يلف جسمه على يد الشاب، وبعد أن أكمل عمله ضغط على اليد ضغطة شديد جدًا، واضطر الشاب أمام شدة الضغط أن يفلت عنق الثعبان ومال الثعبان وعضه عضه قاتلة وانتهت حياته لأنه هزأ بالثعبان،... والأمر الثالث: أن الفالج يشير إلى عدم الحركة، والخاطيء إنسان لا يتحرك في اتجاه الحياة الأبدية والحق والخير!! فهو أشل يدًا ونفسًا وقدمًا وجميع أعضائه مصابة بعدم الحركة، فهو لا يمد يده لعمل الخير، ولا يسعى بقدميه إلى بيت الله، وأعضاؤه عاطلة منالخدمة، فهو عضو أشل أمام الأبدية!!..
على أنه إلى جانب هذا كله، يبدو أن المريض كان معذب النفس يجوز صراعًا داخليًا عميقًا، كشف عنه السيد المسيح في العلاج الأهم الذيي كان يحتاج إليه، دون أن يفصح عنه، مما سنتعرض له وشيكًا، وفي الحقيقة أن الخطية هي سر العذاب النفسي والجسدي على حد سواء في قصة التاريخ الإنساني على هذه الأرض!!..





المفلوج ومساعدوه على الشفاء

لا يمكن أن ندرس قصة هذا المريض دون أن نتعرض لمساعديه الأربعة الذين تقدمو به إلى السيد المسيح، ليشفيه، وبخاصة لأنهم يختلفون عن غيرهم ممن انتقدوا أو تذمروا، فبعضالكتبة الذين رأوا حادث الشفاء انتقدوا في سرهم المسيح عندما قال للمفلوج : «يا بني مغفورة لك خطاياك» وقد اتسم نقدهم بالجبن إذ لم يصرحوا به علنًا بل فكروا به في قلوبهم، وما أكثر المنتقدين الذين لا عمل لهم في الأرض، إلا نقد الآخرين الذين يعلمون، وأغلب الظن أنهم لا يجاهرون بنقدهم في مواجهة من ينتقدونهم، بل قد يلبسون ثوب الرياء، فيمدحون في الوجه، ويذمون من الخلف، ومن مدح وذم - كما قال أحدهم - فقد كذب مرتين، وقد وجد إلى جانب المنتقدين جماعات المتذمرين، الذين تذمروا على الأغلب - عندما نقب الأربعة السقف. وربما وصموهم بعدم الكياسة أو اللياقة اذ يهبطون بمريضهم من السقف، وجماعات المتذمرين تملأ الأرض في كل زمان ومكان وهم الذين لا تتسع نظراتهم لظروف الآخرين أو متاعبهم أو آلامهم، بل يحصرون أنفسهم في دائرة راحتهم أو مكسبهم أو متعتهم، وهم أشبه بذلك الأمير الذي قيل إنه خرج ذات صباح للصيد، وتصادف أن رأى رجلاً أعور أمامه في الطريق فتشاءم منه وأمر بإعدامه، ولم ينقذ الأعور من المصير إلا براعته في مواجهة الموقف، إذ قال الأمير: يا مولاي لقد خرجت في الصباح لتصيد، وخرجت أنا لبعض حالي، فأينا شؤم على الآخر وأينا أسوأ حظًا!!؟ هل أنت لمجرد أنك لن تجد صيدًا!!؟ أم أنا الذي التقيت بك لتضيع حياتي!!؟ وسر الأمير من جوابه، وآمر بالافراج عنه!! إن المتذمرين - الذين ربما سقط عليهم بعض التراب من السقف - لم يكن يعنيهم في قليل أو كثير أن إنسانًا يصح أو يشفي، بقدر ما تعنيهم حياتهم الضيقة التي لا تهتم بالآخرين!!..
على أنه يمكن أن نرى فريقًا آخر وهم الذين التفوا حول المسيح وتزاحموا حتى أغلقوا الطريق على الداخلين، وهم يمثلون الجماعات التي تلتف حول المسيح، ولكنهم - يدرون أولا يدرون - يغلقون الطريق بأنانيهم أو تغرماتهم بكيفية لا يتمكن الآخرون معها من الاقتراب إلى السيد، لكن هذه المجموعات المختلفة لا يمكن أن تنسينا الأربعة الذين جاءوا بالمفلوج إلى السيد، ولعله من الواجب أن نقف قليلاً منهم، ونرى كيف جاءوا وكيف تصرفوا، لقد بدوا متعاونين، ولو تخلف واحد منهم لما استطاعوا إتمام العمل بنجاح، فالأربعة قدموا واحدًا إلى المسيح، ومرات كثيرة يحتاج الراعي، ومدرس مدرسة الأحد، والمعلم في المدرسة اليومية، والأب للمسيح، ومن اللازم أن نتبين أن الأمر لا يقتصر على التعاون فحسب، بل إظهار روح المحبة والبذل، ... ونحن لا نعلم من هؤلاء الأربعة وما درجة قرابتهم أو صداقتهم للمفلوج، لكنه من الواضح أنهم أحباء وأصدقاء، فما كانوا يبذلون هذا الجهد أو يقدمون هذه التضحية لولا امتلاؤهم بروح الحنان والحب للمريض المنكوب، والمحبة المسيحية في الواقع تقتضينا ذلك، أعتقد أن الكثيرين رأوا الصورة المشهورة التي أطلق عليها «صخر الدهور» والتي ترسم صليبًا مرفوعًا فوق صخرة في قلب الأمواج وقد تعلقت به فتاة، على أنه من الغريب أن فنانًا آخر رسم نفس الصورة ولكنه أضاف إليها شيئًا، إذ رسم الفتاة الممسكة بالصليب، و مدت يدها الثانية لتمسك بيد فتاة أو شكت على الغرق، وكل محب ليسوع المسيح، لأخوته الآخرين، لا يمكن أن يعيش لنفسه، أو يحيا منحصرًا في شخصه وذاته، بل هو دائم القول: «إذ الضرورة موضوعة على. فويل لي إن كنت لا أبشر» (1كو 9 : 16).
كان يوحنا رجلاً غنيًا جدًا، وعنده بيوت ودكاكين كثيرة للايجار، وكان من ضمن المستأجرين أرملة فقيرة جداً لها أربعة أطفال تعولهم بكدها وعرقها، وذات يوم جاءها وكيل يوحنا وطلب منها أجرة البيت، فطلبت منه أن يمهلها لأن أحوالها عسرة. وأحد أولادها مريض، فأبي وهددها بالطرد، فأسرعت المرأة إلى يوحنا تستعطفه أن يترقق بها، ووقفت ومعها الصغار يتضرعون إليه أن يمهلهم، ولكنه رفض، وصرخ الأولاد من أجل أخيهم المريض ولكنه لم يسمع.. ثم تركهم ودخل حديقة، وجلس على كرسي بقرب جدول تنساب فيه المياه، وصار يتأمل في غناه حسب عادته، غير أنه انزعج لأنه سمع شيئًا يطرق أذنيه، وظنه صوت الأرملة فغير مكانه، ولكن الصوت كان يتبعه، وحدث أن أرعدت السماء، فازداد رعبًا، وذكر قصة الغنيالغبي. فأرسل وكيله إلى المرأة، لتبقى في البيت، ولكنه لم يجدها. لأنها آوت مع أطفالها إلى مغارة، ولم يعرف أين يجدها، ومات الولد هناك من الضعف والحاجة والبرد، ورقد يوحنا في سريره، وقيل إنه مات أيضًا فزعًا ورعبًا، كم يحتاج الإنسان أن يتعلم أنه خلق ليحب الآخرين ويساندهم في آلامهم ومتاعبهم وضيقاتهم ومآسيهم.
على أن الأمر الآخر الذي ينبغي الاهتمام به والتركيز عليه. هو أن هؤلاء الأربعة جاءوا إلى المسيح مؤمنين، ولا نعلم هل هم الذين دفعوا المريض إلى المجيء إلى السيد أو أنه هو الذي دفعهم إلى حمله، ولكن الواضح أنه وهم جاءوا مؤمنين.
تحدثت سيدة مؤمنة في الكنيسة عن اختبارها العميق فقالت: أنها أصيبت بمرض خطير في القلب عقب ولادتها الطفل السادس وقال الأطباء لها بصراحة أن لا فائدة من العلاج لأنها ستموت حتمًا، على أنها كانت متيقنة أن الله لن يأخذها ويحرم وليدها الصغير من عنايتها، لذلك طلبت من زوجها أن يلتمس من الراعي أن تصلي الكنيسة من أجلها، وطلب الزوج بعد الصلاة من الراعي والشماس وامرأة تقية أن يشاركوه في حمل زوجته المريضة إلى المسيح قال: أنا وأولادي سنحمل من جانب وأنتم تحملون الجوانب الثلاثة: وكانوا أمناء في حمل المريضة إلى المسيح وبعد أسبوعين بدأت تتحسن ثم شفيت تمامًا، وكان عمرها ثمانين عامًا عندما كتبت آخر مرة لتخبر بهذه المعجزة! .
ومن الواجب أن نذكر أن هؤلاء الأربعة لم يكونوا مؤمنين فحسب، بل أكثر من ذلك، كانوا مكتشفين، فعندما لم يجدوا في الزحام سبيلاً إلى المسيح. اخترعوا الطريق، واكتشفوا السبيل، إذ دلوا المريض من السقف بعد أن نقبوه.
لم يكن مع يوحنا بنيان ورق ليكتب عليه في سجنه ولكنه كتب كتاب سياحة المسيحي على كل ورقة يغلف بها الطعام الذي يصل إليه!!... وقد تحدي الأربعة الصعاب التي وقفت في طريقهم، ولم يفشل إيمانهم عند أول صعوبة، بل تخطاها،... وقفت أم وابن شرير لها أمام القاضي المسيحي في تهمة جديدة، وكان هذا القاضي قد سبق فترفق بالفتى دون جدوى، وقال القاضي للأم: لن أستطيع أن أعمل شيئًا لهذا الولد، بعد أن بذلت معه كل جهد، وليس عندي معونة أستطيع أن أقدمها، وأنصحك أن تفعلي نظيري إذلا فائده منه. ولكن الأم رفعت عينيها الباكيتين وقالت: آه ياسيدي القاضي أنا لا ألومك لأنك ستنفض يدك من الموضع، أما أنا فلا استطيع أن أفعل نظيرك، إذ لا يمكنني أن اتخلى عن هذا الولد، لقد أعطيته الحياة. واعتنيت به وربيته. فهو ابني!! كان عندها الإيمان الذي ينتصر على كل الصعاب، وهكذا كان الأربعة، وهكذا كانت وتكون رسالتنا في معونة الآخرين!





المفلوج والمعجزة المنشودة

كان هم المفلوج ومساعدوه الأربعة الخلاص من الفالج، وكانت تلك غايتهم الأولى والأخيرة، لكن المسيح كان يرى شيئًا آخر أهم من الجسد، ونعني به الروح، وهو يعكس بذلك الفرق بين فكره وفكر الإنسان، ان الإنسان يهتم دائمًا بالجسد والمسيح، وان كان يهتم بالجسد لكنه، يعني بالروح أولا.. عندما نذهب إلى بائع الجواهر، ونطلب أثمن جوهرة عنده فإنه عادة يقدمها كتحفة فنية، يمكن أن تطفيء الأنوار لتراها تلمع في الظلام وبعضها في العادة في علبة من «القطيفة» الجميلة، أو المخمل أو ما أشبه، ولكن مهما كان جمال العلبة، لا يمكن أن تكون موضع اهتمامنا أكثر من الجوهرة نفسها. إن مأساة الكثيرين جداً من بني البشر، أنهم يفعلون هكذا، إذ يهتمون بأجسادهم دون أرواحهم، أو أكثر من أرواحهم!! ألا ترى ملايين الناس يرون النعمة العظمى في حياتهم صحة الجسد، دون أدنى اهتمام بصحة النفس، ألا تسمع الذين يعبدون الجسد، وهم لا يذكرون اسم الله إلا إذا خرجوا بعد أكل طعام دسم ينطقون بعده في خوار الثور: اللهم أدمها صحة. ولا يعرفون شيئاً بعد ذلك عن الله، ألا تراقب الذين يجرون عاماً بعد عام وراء بيوت الأزياء باحثين عن أفخر وأحدث زي يمكن أن يرتدوه، وهم عراة من الحياة الروحية الصحيحة! ما أبرع وصف عاموس لهؤلاء المترفين من سيدات ورجال! : «اسمعي هذا القول يا بقرات باشان التي في جبل السامرة الظالمة المساكين الساحقة البائسين القائلة لسادتها هات لنشرب» (عا 4 : 1) إن هذا الصنف من السيدات لا يمكن أن يراه عاموس إلا بقرات مسمنات وان كنا يضطجعن على أسرة من عاج، والرجال ماذا قال في وصفهم: «ويل للمستريحين في صهيون والمطمئنين في جبل السامرة، أنتم الذين تبعدون يوم البلية وتقربون معقد الظلم المضطجعون على أسرة من العاج، والمتمددن على فرشهم والآكلون خرافًا من الغنم وعجولاً من وسط الصيرة، الهاذرون مع صوت الرباب، المخترعون لأنفسهم آلات الغنا كداود الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمون على انسحاق يوسف» (عا 6 : 1 - 6).. وإذاكان سقراط الوثني عندما خير بين قتل الجسد أو قتل الروح والمبدأ، شرب كأس السم مفضلاً أن يموت بجسده، عن أن يموت بمبدئه وأخلاقه، وقد وصفه شوقي أمير الشعراء بالقول:
سقراط أعطي الكأس وهي منيه شفتي محب تشتهي التقبيلا
عرضوا الحياة عليه وهي غباوة فأبى وآثر أن يموت نبيلاً
وإذا كانت الفتاة الشريفة أو الفتى الشريف يفضل أن يموت على أن يلحق به العار، فكم يكون المسيح أكثر اهتمامًا وهو يعالج الروح قبل علاج الجسد!!





المفلوج والمعجزة المهجورة

كانت حاجة الشاب الأولى، عند المسيح، خلاصة من فالج الروح قبل فالج الجسد، ولذلك أثار اهتمامه واهتمام الجميع بحاجته إلى الغفران، وكانت هذه هي معجزته الأعظم والأفضل مع نفس الرجل، ولعله من حقنا وكانت هذه هي معجزته الأعظم والأفضل مع نفس الرجل، ولعله من حقنا أن نسأل عن الأسباب الداعية إلى هذا التفضيل والأولوية، لقد ذكرنا أن الروح، عند السيد، أهم كثيرًا من الجسد، بل ذكرنا أنه من الممكن جدًا أن يكون المرض قد أصاب المريض بسبب إدمانه الشر وتهالكه على الخطية، وفي قصة «مكبث» المشهورة، يقول الطبيب الذي أرسل لعلاج ليدي مكبث إنها تحتاج إلى رجل دين لا إلى طبيب، وأطباء النفس يصرحون بأن أغلبالأمراض النفسية لو تعقبناها، لوضعنا اليد على تلوث أو نقطة شر أو ضعف، عندما ذهب أليشع إلى أريحا، وكان هناك نبع ماء رديء تستقي منه المدينة، وجاء رجال المدينة يشتكون، ذهب أليشع إلى النبع الرديء وطرح فيه ملحًا، وأبرأ المياه باسم الرب، ان الله دائمًا يذهب إلى الأصل إلى النبع، ويجعله طاهرًا، ثم أن علاج الروح يعطي أعظم سلام وراحة للإنسان، كان الداء الوبيل للمريض، ليس الجسد الذي يعاني السقم والألم، بل كان أكثر من ذلك، كان الصراع النفسي العميق الذي يحتاج إلى الغفران، هل سمعتم عن أورستيس في خيالات اليونان الذي ارتكب الخطية، وإذا بآلهة الانتقام تطارده في الأرض كلها دون أن يجد مكانًا ولو صغيرًا يمكن أن يهدأ فيه أو يستريح، وقد سجلت أساطيرهم قصة أوديب الملك الذي قتل أباه وهو لا يعلم، وتزوج أمه وهو لا يدري، ولما أدرك بشاعة عمله، فقأ عينيه، وخرج هاربًا في الأرض لا يلوي على شيء تحت عذاب الضمير الذي لا يوصف، ويصور لنا أحد كتاب الغرب، أرثر ديمسدال رجل الدين الذي يرتكب الإثم، ثم يجلس قاضيًا ليحاكم، مع آخرين، زميلته في الفجور، ويحكم عليها بسبع سنوات في السجن، ويقضي هذه السنوات دون أن يعرف راحة أو يهدأ له بال، رغم خدماته التي أفنى نفسه فيها، حتى يعترف ، وينتظر رحمة الله وغفرانه! ثم إن علاج الروح هو العلاج الأبقي، إذ أن آلام الجسد بالنسبة للمؤمن تنتهي بنهاية حياته الأرضية، كما حدث مع المسكين لعازر، لكن الغني دخل أتون النفس في الهاوية إلى الأبد دون راحة أو قرار، ولهذا اهتم المسيح أولا وقبل كل شيء بعلاج الروح!!





المفلوج والمعجزة الأصعب

إن السؤال الذي طرحه المسيح: «إيما أيسر أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك، أم أن يقال قم وأحمل سريرك وأمش» (مر 2 : 9) إن الغفران في تقدير المسيح أصعب جدًا من شفاء الجسد، إذ ليس هو كلمة تقال في يسر وسهولة، بل هو الحقيقة العظيمة التي تبدو صعبة غاية الصعوبة، ولعل مرجع الصعوبة - وهو الخطأ في حكم الإنسان على الخطية أو تصوراته أو مشاعره تجاهها - أن الكثيرين من بني البشر أنكروا وجود الخطية نفسها إلى درجة أنهم يعللون ممارسة الفحشاء بأنها التصرف الطبيعي للغريزة الجنسية، وهناك من لم يصل إلى هذا التصور، والخطية قد تكون عنده هي القتل والنهب والسرقة والفجور، لكنه لا يستطيع أن يدرك خطايا الفكر والشعور كالكراهية والحقد والحسد، وليس له فهم عن خطايا الإهمال والترك والسلبيات، كعدم فعل الواجب والإيمان الصحيح!! آه لو نعرف تمامًا موقف الله من الخطية، وكيف لا يمكن أن يتهاون أو يهاون الشر إذ هو الله القدوس الطاهر العادل الذي تتنافر طبيعته تنافرًا أبديًا مع كل فساد، ... في شوارع برايتون رأوا الواعظ الإنجليزي فردريك روبرتسُن يسير كالمجنون ووجهه يلمع بالثورة والغضب، وهو يكاد يطحن أسنانه طحنًا، لأنه سمع عن مؤامرة ضد فتاة برئية يراد الإيقاع بها، وهو لا يستطيع تصور ذلك، إذا كان هذا الرجل القديس قد ثارت مشاعره بهذه الصورة ضد الخطية، فماذا نقول عن قداسة الله الذي السماء ليست بطاهرة أمام عينيه وإلى ملائكته ينسب حماقة!! وإذا كان نواميس الله الكاملة تقف ضد كل محاول لكسرها، فإذا وضع أحدهم يده على السلك الكهربائي يصعق في الحال دون هوادة، وإذا سقط من فوق جبل تدق عنقه، وذلك لأنه تعدى ناموس الكهرباء أو ناموس الجاذبية!! فكم بالأولى نواميس الله الروحية والأدبية، التي تقضي على من يعتدي عليها ويخالفها!! وقد كان من المستحيل على الإنسان الذي سقط وانحرف أن يجد نجاة أو حياة من غير صليب المسيح الذي التقت فيه رحمة الله بعدالته، وتلائم نعمته مع قداسته، لقد بدأ السيد المسيح من النقطة الصحيحة مع الشاب المشلول، إذ بدأ بروحه ويبدو أن الشاب كان في صراع مكبوت يبحث عن السلام لروحه ونفسه، وأجابه المسيح بسلام الغفران الذي كان يفتقر إليه وينتظره!!





المفلوج والمعجزة الأيسر


كانت معجزة شفاء الجسد برهانًا خارجيًا منظورًا يؤكد الحقيقة الداخلية العظيمة، فإذا وجد من بين الحاضرين من تشكك في قول المسيح، على أساس أن غفران الخطايا لا يملكه إلا صاحبه الذي هو الله، وأن قول المسيح ليس إلا مجرد أقوال تحتاج إلى إثبات صدقها وصحتها، كان على المسيح أن يعطي هذا البرهان الواضح بالمعجزة الأيسر والأسهل، ومن ثم قال للمفلوج: «قم احمل سريرك وأمش» فنهض المحمول في الحال ليضحي حاملاً، «فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجدوا الله قائلين ما رأينا مثل هذا قط» (مر 2 : 12).. وهكذا عالج المسيح بنظام ودقة، مرض الرجل، وأعطى الأهمية لحاجة الروح قبل حاجة الجسد، وهو دائمًا يفعل أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر بحسب غناه في المجد تبارك اسمه القدوس إلى أبد الآبدين آمين!!