عيد الغطاس المجيد هو أحد الاعياد السيدية الكبرى فى الكنيسة القبطية الارثوذكسية ..

ولقد ذكرت البشائر الاربعة عن معمودية السيد المسيح من يد القديس يوحنا المعمدان وفى قصة عماد السيد المسيح نرى كيف أن المسيح جاء الى يوحنا كواحد من الشعب ليعتمد منه ، وكيف إنفتحت السموات عند صعوده من ماء نهر الاردن، ونزل الروح القدس على السيد المسيح بهيئة حمامة ، مع شهادة الاب من السماء بصوت مسموع :" أنت هو ابنى الحبيب الذى به سررت ".
وعيد الغطاس أو عيد الظهور الالهى أو عيد الأنوار هو ثالث أعياد الكنيسة فى الاهمية بعد عيدى القيامه والميلاد.

وكانت الكنيسة فى القرون الأولى تحتفل مع عيد الميلاد وتعيد بهما معا" وتطلق عليهما عيد الظهور الإلهى .. ويشهد بذلك القديس يوحنا كاسيان (350م – 435م ) أن المعمودية والميلاد كان يحتفل بهما فى مصر فى يوم واحد.

ويجىء فى كتاب السنكسار وحتى اليوم الحادى عشر من شهر طوبه المبارك " فى هذا اليوم من سنة 31م ، اعتمد سيدنا والهنا وربنا يسوع المسيح من يد القديس يوحنا الصابغ (المعمدان) ويدعى هذا اليوم باليونانيه " عيد الثاؤفانيا ". أى الظهور الالهى . لأن فيه ظهر الثالوث الاقدس هكذا : الآب ينادى من السماء : هذا هو ابنى الحبيب والابن قائم على الاردن. والروح القدس شبه حمامة نازلا" عليه ، كما شهد بذلك يوحنا المعمدان :

" هذا اليوم الذى قال عنه يوحنا البشير فى انجيله ... " وفى الغد نظر يوحنا المعمدان يسوع مقبلا إليه فقال : هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم . هذا هو الذى قلت عنه يأتى بعدى رجل صار قدامى ..
وكما ذكرت فى المقدمة أن الكنائس كانت تحتفل به قديما مع عيد الميلاد إلى أن رأى آباء الكنيسة فصل العيدين تدعيما لكل منهما على حدة واختفى عيد عماد المسيح بتسمية الأبيفانيا.

ومن الاباء الذين عاصروا فصل العيدين رسميا هو القديس يوحنا ذهبى الفم اسقف القسطنطينيه الذى ذكر فى إحدى عظاته عن الميلاد أن العيدين كانا الى وقت قريب تعيدهما الكنيسه معا" ثم إختص بعد ذلك عيد الغطاس باسم الابيفانيا دون الميلاد وقد علل القديس ذلك بقوله " ان الرب فى الغطاس استعلن للجميع حين انه فى ميلاده كان مخفيا عن الجميع.

وكان المسيحيون الأوائل الذين يعيشون بالقرب من نهر الاردن .. كانوا يعيدون هذا العيد بالاستحمام فى نهر الاردن ويتزاحمون حول المكان الذى قيل ان السيد المسيح قد تعمد فيه.

أما المسيحيون فى مصر فكانوا يحتفظون عند زيارتهم الى الاراضى المقدسة بقليل من ماء الاردن ويحملونه الى بلادهم وقراهم ويبقى معهم الى ليلة عيد الغطاس ، وعندما يقدس الكاهن الماء تكون زجاجات الماء التى جاءوا بها من نهر الاردن حاضرة صلاة تقديس الماء ويفرغها الكاهن فى الماء ويقول: القدس للقديسين ".

وكان الاقباط بشهادة المؤرخين يحتفلون بعيد الغطاس فى العصور الوسطى إحتفالا كبيرا بإقامة طقوس الصلوات على ضفاف نهر النيل مع حمل المشاعل والغطس فى النهر بعد إتمام الصلوات.

ودعونى انقل ما كتبه المؤرخون العرب عن الاحتفال بعيد الغطاس المجيد .. وهو بعض ما كتبه المؤرخ المقريزى نقلا عن المؤرخ المسعودى :" ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها ، لا ينام الناس فيها وهى ليلة الحادى عشر من شهر طوبه ، ولقد حضرت سنة 330 هجريه (القرن العاشر الميلادى ) والآخشيد فى داره المعروفه بالمختار فى الجزيرة ، وقد أمر فأسرج فى جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما اسرج أهل مصر من المشاعل والشموع من النصارى والمسلمين على سائر الشطوط .. وهى أحسن ليلة تكون فى مصر واشملها سرورا" ولا تغلق فيها الدروب ويغطس أكثرهم فى النيل .

وفى زمن الحاكم بأمر الله تغير طقس الاحتفال بعيد الغطاس وبدأ الاقباط يحتفلون به داخل كنائسهم فقط .. ويذكر التاريخ أن الحاكم بأمر الله كان مختلا أذاق المسيحيين الكثير من صنوف العذاب .. ولكنه مضى كما مضى غيره وكما سيمضى كل من يحاول تعذيب المسيحيين .. وستبقى المسيحيه وسيبقى المسيحيين .. وقد يجىء يوم ويعود الاقباط الى اشعال المشاعل والشموع على ضفاف نهر النيل الخالد ويحتفلون بعيد عماد السيد المسيح كما كانوا يحتفلون به من قبل .. وليس ذلك على الله بكثير .. وللتاريخ دورات دورة مع الظالم ودورة مع المظلوم .. لكنه لا يقف جامدا" .. فالتاريخ فى حركة دائمة.

وكما إعتمد السيد المسيح له المجد فى نهر الاردن هكذا نحن المؤمنين نعتمد فى جرت المعمودية الذى يمثل نهر الاردن لننال غفرانا للخطية الاصليه التى ورثناها من أبينا آدم .. ولكى نتأهل للميراث الابدى .. فبدون المعمودية لن ننال حياة أبدية والسيد المسيح يقول :" من آمن واعتمد خلص ".

ليكن عيد الظهور الالهى هذا العام بشير فرح وانتصار للكنيسة فى مصر .. ووحدة وضم للصفوف .. وحياة مملوءة بالمحبة القلبية تربط قلوب المؤمنين فى كل مكان ...
وكل عام والجميع فى فرح وسعادة.