من حبة الخردل الى شجرة الايمان

الأب رائد أبو ساحلية



إذا أخطأَ أخوكَ فوَبِّخْهُ، وإنْ تابَ فاَغفِرْ لَهُ. وإذا أخطأَ سبعَ مرّاتٍ في اليومِ، ورجَعَ إلَيكَ في كُلِّ مرّةٍ فقالَ: أنا تائِبٌ، فاَغفِرْ لهُ«. وقالَ الرُّسُلُ لِلرَّبِّ: «زِدْ إيمانَنا«، فأجابَ الرَّبُّ: «لَو كانَ لكُم إيمانِ مِقدارُ حَبَّةٍ مِنْ خَردَلٍ وقُلتُم لِهذِهِ الجُمَّيزَةِ: اَنقَلِعي واَنْغَرِسي في البحرِ، لأطاعَتْكُم. (لوقا 17: 4-6)
لا يمكن فهم طلب التلاميذ للرب أن يزيد ايمانهم الا بعد قراءة اطار السؤال اعلاه وهو أن الرب كان يعلم تعليماً جديداً مختلفاً يصعُب على التلاميذ فهمه وتطبيقه وهو شعور بالضعف والعجز أمام عظمة هذا التعليم.

ويأتي جواب المعلم مُحيراً لا بل مُحبِطاً "يزيد الطين بله والعليل عله" كما نقول لأنه بعد هذا الجواب سيشعر التلاميذ ونشعر نحن معهم بأن ايماننا ضعيف جداً بسيط وقليل لا يصل حتى حبة الخردل وهي اصغر البذور قاطبة بالكاد ترى بالعين المجردة.
كما اني ازعم ان المعلم لم يُجب على السؤال بجواب يشفي غليل التلاميذ كأن يقول لهم كيف يمكن أن يزيد ايمانكم أو افعلوا كذا وكذا يزداد ايمانكم.. وكأنه يتهرب من الجواب لأنه صعب أو يفوق ادراك التلاميذ البسطاء، لا بل فانه يجيب بجواب معقد.

كل هذا صحيح ولكن دعونا نسبط الامور ونفهم موقف المعلم:
يسوع يقول بأن الايمان أمرُ بسيط صغير (كحبة الخردل) ولكن له مفاعيل ونتائج عظيمة اذا وُجِدَ (كنقل الجبال) فلا داعي للأمور الكبيرة والعظيمة والمعرفة الواسعة الشاسعة لكي أقول بأن لدي ايمانا قوياً.. انه ايمان البسطاء، ايمان الأمهات والجدات، ايمان الأطفال الذين يثقون بآبائهم ويرتمون بأحضان امهاتهم.
يسوع يقول بأن الايمان هو هبة مجانية من الله يفيضها في قلب الانسان تساعده على فهم أمور تفوق الادراك العقلي والحسي ولكن لا تتناقض مع العقل والحواس، وهذا هو تعريف الايمان، انه فضيلة مُفاضة أي هبة وعطية ونعمة من الله، وما على الانسان أن يفتح قلبه وعقله ويستقبلها ويقبلها.
يسوع يقول بأن الايمان هو عكس العيان لأن حقائق الايمان لا نراها وغير ظاهرة للعيان لأنه لو كنا نستطيع أن نراها لما كان هناك حاجة للايمان بها، لذلك قال يسوع لتوما: "طوبى للذي أمنوا ولم يروا".

يسوع يقول بأن الايمان هو ثقة واستسلام وقبول لكلام الله وتعاليم الكنيسة، أي قبول قلبي وتصديق عقلي، وذلك لصدق القائل ومصداقية المعلم لأن ليس لديه لا النية ولا الرغبة في أن يعلم ما يُضل التلاميذ.. فالله هو أمين وصادق وعادل، والسيد المسيح تكلم وعمل وعلم ونحن نقبل ونؤمن بكلامه في الانجيل.. ولسان حالنا ما قالته مريم: "هاءنذا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك".

يسوع يقول أن الايمان هو بالقيام بالواجب الموكل لنا في الحياة كمثل العبد الذي يحرث ويرعى ويخدم سيده، لذلك فهو ينهي كلامه بهذا التصريح: "وهكذا أنتُم، إذا فَعَلْتُم كُلَ ما أُمِرتُم بِهِ فقولوا: نَحنُ خَدَمٌ بُسطاءُ، وما فَعَلنا إلاَ ما كانَ يَجِبُ علَينا أنْ نَفعَلَ«.. وهذا طبعا لا يعني بأننا فقط عبيد مطيعين نفقد العقل والارادة والحرية ولكن أن الايمان يجب أن لا ننسب لأنفسنا فعل الخير، فكل خير نفعله هو الله اعطانا أن نفعله، بل كوننا ابناء الله فهذا أصلاً من نعمته وليس فضلاً منا. ونحن خارج نعمته ما نحن الا عبيد بطالون، أي لم نوفه حقه، ولن نوفه مهما عملنا.

يسوع يقول ان الايمان هو أن نرى الله في الأمور البسيطة في حياتنا اليومية من شروق الشمس وغروبها من جمال الأطفال والورود من قوة الرياح والامطار وعظمة البحار.. أي نرى الله من أثاره تماما كقصة الكافر والبدوي: يسأل كافر اعرابيا قائلاً: كيف تؤمن بالله وأنت لم تراه؟ فقال الاعرابي: عندما أشاهد على الرمل أثر الاسد اقول: لقد مر الاسد بالمكان، أجل أني لم أرَ الاسد لكني متأكد من انه قد مر، كذلك إنني لم أرَ الله، لكنني أرى أعماله فأتأكد من وجوده.

إن الايمان هو كل هذا ولكن بنفس الوقت بحاجة الى قبول ومتابعة وتنمية لكي يكبر ويقوى ويثمر ويستمر، صحيح أن الله يشرق شمسه على الاشرار والابرار وينزل مطره على الصالحين والطالحين لأنه يريد أن جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يقبلون.. ولكن للانسان دور في زيادة ايمان مُفاض مثل المطر ولكنه مُكتسب تماما مثل الشجر: فالشجرة يجب أن تزرعها وتحرثها وتسقيها وتقلمها وتحميها لكي تثمر ثمراً كثيراً.. فكيف يزداد ايماننا اذن؟ كيف تصبح البذرة شجرة؟
تزرعها: يقوم الزارع بزرع البدور في أرض طيبة خصبة وليس في أرض حجرة صخرية كما أنه يزيل الحجارة وينظفها من الأشواك.. الله هو الزارع لانه هو يعطي الحياة ويهب الايمان أي الشوق والتوق لمعرفته، وقلب الانسان هو الارض الطيبة الذي خلقه الله كما يقول القديس أغسطينوس: "لقد خلقتنا يا الله وقلبنا لا يعرف الراحة الا استراح فيك".

تحرثها: هدف الحراثة خلخلة الارض حول الشجرة لمساعدتها على تنفس الهواء والارتواء بالماء ومد الجذور عميقا.. وشجرة الايمان بحاجة نور الشمس الالهية الساطعة وهواء الله النقي: النور هو الصلاة والهواء الرجاء أما الجذور فبحاجة الى قدورة العائلة المؤمنة ومثال البيئة السليمة وروح الرعية النشيطة وتربية المدرسة القوية..

وتسقيها: بدون ماء لا حياة لا تنمو الشجرة ولا تكبر وحتى ولو نمت وكبرت فانها تيبس متى انقطعت عنها المياه.. وشجرة الايمان ماؤها كلمة الله في الكتاب المقدس وغذاؤها الاسرار المقدسة وخاصة القربان الاقدس.

وتقلمها: هدف التقليم تخفيف بعض الاغصان لتهوية الشجرة أو ازالة الأغصان اليابسة واظهار الشجرة بأجمل منظر وأبهى طلة وطلعة.. وشجرة الايمان نقلمها من التعاليم المغلوطة والهرطقات والفزلقات.. من الخطايا والرذائل والشهوات والاميال.. ونقومها من الميلات والاعوجاج فيكون ايمانا قويماً مستقيماً.

وتحميها: من الحيوانات البرية أو حتى من سرقة الناس ومن عوامل الطبيعة مثل الحر والبرد وكثرة المطر.. فوديعة الايمان كما يقول القديس بولس "نحملها في آنية من خزف" اذا وقعت تنكسر واذا تعرضت للخطر قد تندثر.. وشجرة الايمان بحاجة للحماية من الأضاليل والمضللين، من الشك والمشككين، من مغريات العالم والمغرضين.
وهكذا تنمو وتكبر وتثمر ثمراً كثيراً: تماما مثل حبة الخردل الصغيرة جدا التي تصبح شجرة كبيرة، وكحبة الحنطة التي تموت في الارض وتصبح سنبلة.. يأتي موسم الحصاد او القطاف.. شجرة الايمان تثمر ثمار الروح التسعة، واعمال الرحمة الجسدية والروحية وخاصة المحبة.
إذن، بذرة الايمان الصغيرة يجب أن تتوفر لها كل الشروط والظروف لكي تنمو وتكبر وتثمر وتستمر في الحياة الارضية حيث نعيش في الايمان على رجاء بلوغ الحياة الابدية للوصول الى غاية ايماننا الله ونتحد في المحبة لأن "الله محبة".

وأنهي بمقطع من الصلاة الجميلة للقديس كلمنضوس وانصح بأن تتلى الصلاة كاملة مرارا وتكراراً:
لقد آمنتُ بك يا ربّ، فزدني إيماناً،
وعليك اتكلتُ يا إلهي فزدني اتكالاً،
وإنّي أحبّك يا ربّ فزد حبّي اضطراماً.

الأب رائد أبو ساحلية
كاهن رعية العائلة المقدسة في رام الله