" الى الشهداء "
العلاّمة ترتليان

==============================
==============================

يخاطب ترتليان المعترفين المسجونين استعداداً لنوال إكليل الاستشهاد، ويقول لهم أنه بجانب المعونة التي تقدمها لهم أمهم الكنيسة وأخوتهم وخدمتهم لإحتياجاتهم الجسدية، يريد هو أيضاً أن يقدم بعض المساهمة لأجل مساندتهم روحياً، لأنه ليس حسناً أن الجسد يطعم بينما الروح تتضور جوعاً، وبإتضاع يقول لهم العلامة ترتليان ان هذا لا يعنى انه سيعلمهم، بل كمثل المراقبين والمدربين الذين يحمسون المصارعين، واحياناً تأتى من المشاهدين العاديين أفضل النصائح.

ويوصيهم أولاً وقبل كل شيء ألا يحزنوا الروح القدس الذي دخل السجن معهم، لانه لو لم يكن قد دخل معهم السجن، لما كانوا هم مسجونين فيه الآن، لذلك يحثهم على بذل كل جهد كى لا يحزنوا الروح، وأن يتركوه يقودهم إلى حيث ربنا.
ويعتبر العلامة الأفريقى أن السجن هو مسكن الشيطان حيث تقيم أسرته، لكن الشهداء دخلوه لكى يزعزعوا هذا الشرير ويهزموه في مسكنه، أي في عقر داره، وكما هزموه خارج السجن كذلك يجب ألا يعطوه أي فرصة ليقول إنهم الآن في قبضتى وسوف أجربهم برذيلة الكراهية والبغضة، وبالاختلاف وعدم الإنفاق بينهم) لذلك يجب أن يقاومه الشهداء فيهرب من أمامهم ويغرق في هاويته، ويؤكد عليهم ترتليان ألا يجعلوه ينجح في سعيه لصنع الخلاف فيما بيهم وإبعاد روح الوحدة من وسطهم، بل يتسلحوا ضد بالاتفاق والوحدة، (لأن السلام فيما بينكم هو حرب ضد الشيطان).

يعلمهم ترتليان أيضاً ألا ينزعجوا لكونهم انفصلوا عن العالم، ويعقد مقارنه بين العالم والسجن فيقول أنهم خرجوا من السجن بدلاً من أن يدخلوه، فالعالم فيه ظلمه أعظم من ظلمة السجن تعمى قلوب الناس، العالم يقيد الإنسان بأثقل القيود، العالم ملئ بأردأ الأدناس أي الشهوات والأهواء، العالم يضم عدداً أكبر من المجرمين، واخيراً العالم ينتظر قضاء الله وليس قضاء الحاكم.

لذلك يجب أن يعتبر هؤلاء الشهداء أنهم قد انتقلوا من السجن إلى مكان آمن أي من العالم إلى الفردوس، وإن كان سجنهم مظلم، لكنهم هم أنفسهم نور، إن كان به قيود، لكن الله حررهم، إن كان به روائح كريهة، لكنهم هو أنفسهم رائحة حلوة، إن كانوا في السجن ينتظرون يومياً مجى القاضى، لكنهم سيدينون القضاة أنفسهم.
ويستطرد ترتليان أنه ربما يكون منهم من حزن وتحسر واشتاق لمباهج العالم ومسراته، ولكن المسيحى الحقيقى قد جحد العالم، أما في السجن فقد جحد سجناً ايضاً، ولا يهم في أي مكان في العالم يكون المسيحى لأنه ليس من هذا العالم، وإذا فقد بعض من مسرات الحياة، فلابد أن يعرف ان هذه هى التجارة الصحيحة أي أن يكون هناك خسارة خاضرة كى يكون الربح فيما بعد أعظم.

ويبين ترتليان فائدة السجن ونفعه للإنسان المسيحى، ففيه ليست هناك ضرورة لأن ينظر الإنسان لآلهة غريبة، ولا لرؤية صورهم، ولا للاشتراك في الأعياد الوثنية، ولا ينزعج من روائح الاحتفالات الوثنية، ولا تؤلمه ضوضاء العرض والمسرحيات العامة ولا جنون المحتفلين، ففي السجن يكون الإنسان حراً من أسباب الخطية، من التجارب، ومن الذكريات الدنسة، فالسجن للمسيحي مثل البرية للنبي،وربنا نفسه كان يقضى الكثير من وقته في خلوة كى تكون له حرية أكثر للصلاة، وأيضاً في خلوة وعلى جبل أظهر مجده لتلاميذه (التجلى) لذلك كان يدعوهم ترتليان ألا يسمونه (سجناً) بل (مكان للراحة والخلوة)، فرغم أن الجسد مسجون، إلا أن كل الأمور متاحة للنفس، وكلما سارت النفس في الطريق المؤدية لله، كلما كانت خارج القيود، فالقدم لا تشعر بالقيود متى كان العقل في السموات.

ويشبه ترتليان الإنسان المسيحى بالجندى، ويقول أن الجندى لا يخرج إلى القتال من حجرته المريحة، بل ينام في الخيام الضيقة حيث لابد أن يكون فيها كل نوع من القسوة والشدة والضيق، بل وحتى في أزمنة السلم، يتدرب الجنود على الحرب بالأعمال الشاقة والحياة في ظروف صعبة، والغرض من هذه الأتعاب هو أن لا تجد الأجساد أو الأذهان صعوبة عندما تضطر للإنتقال من الظل إلى الشمس، أو من دفء الشمس إلى البرد (بالمثل أيها المباركون، احسبوا كل شدة وضيقة تمر بكم أنها تدريب وتلمذة لقوى ذهنكم وجسدكم، فأنتم ستجتازون جهاداً نبيلاً، فيه الله هو المراقب والناظر، وفيه الروح القدس هو مدربكم، وفيه الجعالة إلكليل أبدى من جوهر ملائكى، مواطنة في السماء ومجد أبدى، لذلك رأى سيدكم يسوع المسيح الذي مسحكم بروحه وقادكم إلى ساحة القتال، انه حسناً -قبل يوم القتال- ان ينقلكم من الظروف المريحة إلى حياة صعبة كى تزداد قدرتكم).

وهكذا ينظر ترتليان إلى السجن باعتباره مكاناً للتدريب، فالمصارعون أيضاً يعزلون في تدريب خاص كى تبنى قواهم الجسدية ويبعدون عن كل ترف وترفيه، وكلما ازداد الأمل في انتصارهم، كذلك الحال مع الإنسان المسيحى لأن الفضيلة تبنى بالأتعاب.

يقول ربنا (أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف) (مت41:26) لكن ألا نخطئ في فهم هذا القول بضعف الجسد ونستسلم لراحة خاطئة، لانه قال أولاً أن الروح نشيط كى يظهر أياً من الأثنين يجب أن يخضع اللآخر، فالجسد يجب أن يطيع الروح، الضعيف يطيع الأقوى وينال منه قوة.

ربما يخاف الجسد من السيف الذي لا يرحم، ومن الصليب المرفوع عالياً، ومن غضب وشراسة الوحوش المفترسة، من ألسنة النار الملتهبة، من العذابات البشعة ومن مهارة الجلادين في التعذيب، لكن من الناحية الأخرى، فلتضع الروح أمامها هى والجسد كيف أن هذه الأمور رغم أنها مؤلمة للغاية إلا أن كثيرين من أهل العالم احتملوها واشتاقوا إليها لا لشئ إلا لتحقيق شهرة أو نوال مجد، ليس فقط من الرجل بل ومن النساء ايضاً، ثم يورد ترتليان امثلة لهؤلاء الذين ضحوا بحياتهم لأجل أموراً فانية.