في هذا اليوم الخالد، يوم الجمعة العظيمة، نقف وقفه تأمل هادئة، لنرى أمامنا صورة عجيبة تجمع بين أمرين هما:
محبة الله وخلاصه العظيم.. في ناحية
وجحود البشر وخيانتهم للرب.. في ناحية أخرى


كان الله في هذا اليوم، في عمق حبه وحنانه، وفي عمق جوده وأحسانه، يقدم للبشر فداء إلهياً عجيباً، مغفرة كاملة لكل ما صدر عن البشرية من خطية وإثم ونجاسة، وصفحاً كاملاً عن كل تعديتهم وعصيانهم وتمردهم.. حتى أنه قدم غفراناً لصاليبه، ووعداً بالفردوس للص اليمين. يقابل هذا الحب قسوة من البشر بلغت أقصى حدودها، وخيانة بشعة ما كان أحد ينتظرها.. ومع أنه كان هناك فرح في السماء، بالخلاص العظيم الذي منحه الرب للبشر، كانت - في نفس الوقت - ظلمة على الأرض كلها




في يوم الجمعة العظيمة، نرى السيد المسيح في قمة حبة وفي قمة بذله..
إن المحبة تبلغ عمق أعماقها، أو ترتفع إلي قممها.. حينما تصعد على الصليب. المحبة تختبر بالألم. نختبرها بالضيقة، ونختبرها بالعطاء والبذل. الذي لا يستطيع أن يبذل، هو إنسان لا يحب، أو هو إنسان محبته ناقصة، أو هو يفضل ذاته على غيره.. أما إن أحب، فإنه يبذل..
وكلما يزداد حبه، يزداد بذله، حتى يبذل كل شئ..


فإن وصل إلى كمال الحب، وإلى كمال البذل، فإنه يبذل ذاته.. يصعد علي الصليب، ويقدم ذاته عمن يحبهم.



وهكذا صارت صورة يسوع المسيح المصلوب، هي أجمل الصور أمام البشرية كلها. أنها صورة الحب الباذل، في أعماق بذله..



حاشا لي أن أفتخر، إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غل 6: 14).

وكلما ننظر إلى صورة الصليب، نتذكر الحب الإلهي العجيب.. نتذكر إلهنا القوي غير المحدود في قدرته وعظمته، وقد بذل سماءه، وأخلى ذاته، وأخذ صورة عبد، وبذل حياته، وبذل دمه، حباً للإنسان المحكوم عليه بالموت