كان قيام هيكل الرب في أورشليم يعني حلول الله وسط شعبه، يملك عليهم ويقدّسهم ويملأ حياتهم فرحًا وبهجة، الأمور التي حُرموا منها عشرات السنين في أرض السبي.

عاد زربابل من السبي ومعه خمسون ألفًا من اليهود ليعيدوا بناء الهيكل ويردّوا لإسرائيل بهجته في الرب، لكنّهم إذ وجدوا مقاومة توقّفوا فاستكان البعض للموقف وانشغل كل واحد ببناء بيته الخاص تاركين بيت الرب خرابًا. فجاء هذا السفر يحثّ الكل على العودة إلى العمل، وكأنّه دعوة إلهيّة موجّهة إلى كل نفس لتستعيد في الرب بهجة خلاصها بالتمتّع بسكنى الرب فيها وإعلان قلبها هيكلًا للرب وأعماقها مقدّسا له.
إنه حديث إلهي فيه يُعاتب النفس المتراخية في قبول ملكوته داخلها والمرتبكة بأمور هذه الحياة.

حجي:
* اسم عبري "عيدي"، ربّما سُمي هكذا لأجل توقّع العودة من السبي بفرح، أو لأنه ولد في يوم عيد، وقد جاء اسمه متناسبًا مع مضمون السفر. فالسفر في أعماقه هو دعوة للحياة المفرحة أو إلى الدخول في عيد غير منقطع خلال إعادة بناء هيكل الرب فينا بروحه القدّوس.
يقول القديس جيروم: ["حجي" يعني (مبهج أو مفرح)، هذا الذي يزرع بالدموع ويحصد بالابتهاج (مز 126: 5)، قد انشغل بإعادة بناء الهيكل.
* ولد حجّي في أرض السبي، وصعد إلى يهوذا مع زربابل في الرجوع الأوّل عام 536 ق.م. (عز 2: 1)، ويعتبر هو وزكريّا وملاخي أنبياء ما بعد السبي.
* يرى البعض أنّه كان كاهنًا، إذ ركز اهتمامه العظيم على الهيكل مقدّمًا لنا مفهومًا عميقًا بنائه. وقد رأى البعض في كلماته "اسأل الكهنة عن الشريعة" (2: 11)، دليلًا أكيدًا على أنّه لم يكن كاهنًا.
* مارس حجّي عمله النبوي حوالي عام 520 ق.م.، في السنة الثانيّة لداريوس ثالث ملوك الفرس، وهي السنة التي فيها اشتهر الفيلسوف الصيني كونفشيوس. وقد بدأ عمله قبل زكريّا النبي بشهرين، ارتبط معه بصداقة قويّة ووحدة في الهدف، وقد جاء في التقليد اليهودي إنهما دفنا في قبر واحد. وقد تنبأ زكريّا لمدّة 3 سنوات أما حجّي فلمدّة 3 شهور 24 يومًا.
جاء في التلمود أن حجّي وزكريّا وملاخي كانوا أعضاء في المجمع العظيم.
* بالرغم من تأثره بحزقيال النبي في جوانب متعدّدة لكنّه كان رجل عمل ركّز كل اهتمامه على إعادة بناء الهيكل، ولم يشترك مع حزقيال في إنكبابه على الرؤى (حز 1: 4)، ولا في ممارسة أعمال رمزيّة (حز 4: 53)، ولا في مواهبه الشعريّة (حز 17، 19، 27، 28).
عاش حجّي النبي في ذات الظروف التي عاشها زكريّا النبي، يحمل ذات مشاعره، فنحن نعلم أن أنبياء ما قبل السبي كثيرًا ما هدّدوا بالسبي قبل حدوثه (586 ق.م)، وقد تحقّقت هذه النبوّات، لكن الله لم يترك الأمر هكذا وإنّما سبق فأعلن بالأنبياء عن العودة من السبي البابلي بعد سبعين عامًا (إر 25: 11-12؛ دا 9: 2)، وقد تحقّق ذلك أيضًا عندما انهارت المملكة البابليّة أمام الفرس فسمح كورش ملك الفرس لزربابل الذي من نسل داود أن يرجع إلى أورشليم ليُعيد بناء الهيكل. وإذ وضع زربابل الأساسات قام السامريّون بمقاومتهم (4: 5)، فتوقّف العمل كما سبق لنا الحديث في مقدّمة سفر زكريّا. وإذ مرّ أكثر من خمس عشر عامًا والعمل متوقّف دون إبطال رسمي للمنشور الذي أصدره كورش، وإذ ملك داريوس حان الوقت للعمل من جديد. هنا جاءت المقاومة لا من الخارج بل من الداخل، إذ انشغل كل واحد ببناء بيته الخاص. فقام حجّي النبي ومن بعده بشهرين زكريّا ينذران الشعب ويحثّانهم على العمل في بيت الرب بقوّة وغيرة قلبيّة.
عندما بدأ العمل بالفعل للأسف قام بين الشيوخ الذين شاهدوا الهيكل الأوّل يثبّطون الهمم إذ حسبوا الهيكل الجديد كلا شيء بمقارنته بالهيكل القديم، ولولا حكمة النبيّان لتوقّف العمل تمامًا وتحوّل الفرح إلى حزن خلال روح اليأس الذي بثّه هؤلاء المسنّين.

لم يكن دور حجّي النبي مجرّد الحث على إعادة بناء الهيكل ولكنه دخل بهم إلى مفاهيم روحيّة عميقة تمس علاقتهم بالله على مستوى القلب الداخلي، فقد أبرز النبي الآتي:
1. الحاجة عن التخلّي عن الذات لإقامة بيت الرب داخل النفس، أي صلب الأنا ليعلن السيّد المسيح ملك على القلب كما في هيكله المقدّس.

2. تأكيد أن "الله أولًا"، فأن كان الشعب قد انهمك في بناء بيوت خاصة متجاهلين العمل في بيت الرب، فأن هذا التصرّف يكشف عن حالهم الخطير إذ حسبوا الله ثانويًّا في حياتهم. الله لا يسكن في بيوت ولا يطلب أمجادًا زمنيّة لكنّه يطلب أن يكون الأوّل في حياة أولاده الذين أعطاهم الأوّلويّة بين خليقته، فيردون مبادرته بالحب لهم بمبادرتهم بالحب له. إن كان من أجل تنازله قبل أن يكون له هيكل وسط شعبه إنّما ليؤكّد حلوله في وسطهم، لهذا يليق بهم الاهتمام بالهيكل لا من أجل فخامته وإنّما علامة حب داخلي وشوق وفرح بالله الساكن في وسطهم.
الله لا يطلب الذهب ولا الفضة ولا حتى العمل في ذاته، ولكنه يود قلوبهم مسكنًا له!

3. نجح حجّي النبي لا في نقل أفكارهم من البناء الحجري إلى القلب كبيت داخلي للرب وإنّما أيضًا في الكشف عن مجد البيت الجديد الذي يقوم خلال تجسّد الكلمة، أي بظهور مشتهى كل الأمم. بقيامته وصعوده أعطانا المجد الأبدي في هيكله الذي هو جسده. لقد تحدّث عن هذا الهيكل مع اليهود قائلًا: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو 2: 19). يُكمل الإنجيلي: "فقال اليهود في ست وأربعون سنة بُني هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟! وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه إنّه قال هذا فآمنوا".

يضم هذا السفر أربع نبوّات نطق بها النبي:
1. النبوّة الأولى (ص 1): أعلنها في اليوم الأوّل من الشهر السادس في السنة الثانيّة من ملك داريوس، فيها يوبخهم على تركهم الهيكل خرابًا، وقد جاءت النبوّة بالثمر إذ تحمّس الكل للعمل.

2. النبوّة الثانيّة (2: 1-9): أُعلنت في اليوم الحادي والعشرين من الشهر السابع، فيها يشجّع العاملين على الاستمرار في العمل دون الحزن على مجد الهيكل القديم، مؤكّدًا رفض الأفكار المحطّمة للنفس، معلنا ظهور هيكل جديد فائق في مجده.

3. النبوّة الثالثة (2: 10-19): أُعلنت في اليوم الرابع والعشرين من الشهر التاسع، وتُعتبر كملحق للنبوّة السابقة. في هذه النبوّة يؤكّد أن تجاهلهم لأولويّة الله في حياتهم يفقدهم البركة، مشجّعًا إيّاهم على المثابرة في الحياة الروحيّة بغيّرة متّقدة.

4. النبوّة الرابعة (2: 20-23): أُعلنت في نفس اليوم الذي أُعلنت فيه النبوّة السابقة. في هذه النبوّة يؤكّد الرب إنّه يهز الأمم ويثبت زربابل كخاتم له.