وهم جماعة من الجماعات اليهودية التى ازدهرت في القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد . وكانت هذه الجماعة تكون إحدى المدارس الثلاث الرئيسية للفكر اليهودى في زمن المسيح ( مع الفريسيين والصدوقيين ) .

1- الاســم :
يدور حول الاسم جدل كثير ، فيري البعض أن الاسم مأخوذ عن الكلمة الأرامية " هاسياس " أى " الأتقياء " بينما يرى البعض الآخر أنه مشتق من الكلمة اليونانية " أجيوس " بمعنى " قدوس " أو " مقدس " أو " أجوس " بمعنى " معادل " أو كلمات عبرية مختلفة بمعنى الأتقياء كما سبق أو بمعنى " يعمل " ( أى أنهم منفذون للناموس ) أو " شريف " أو " قوى " أو " الآسي " ( أى الطبيب المعالج ) أو غير ذلك . وهذا التخبط فى معرفة أصل الاسم ، له ما يبرره حيث أن الأسينييـن أنفسهم لم يستخدمـوا هذا الاسم وصفا لهم . ومازال الاسـم غامضا منذ عهد فيلو .

2- مصادر المعلومات عنهم : وصف يوسيفوس الأسينيين بأنهم الفريق الثالث من الفلاسفة أو مدارس الفكر الدينى لليهودية المعاصرة له . وعلاوة على وصف يوسيفوس ، هناك روايات أخرى عن عقائد الأسينيين وعاداتهم فى كتابات معاصرة اليهودي فيلو الإسكندري ، وكذلك في كتابات الكاتب الروماني بلينى الكبير ، ثم بعد ذلك فى أقوال هيبوليتس المبنية على مؤلفات يوسيفوس وأن كان قد استقى البعض منها مصادر أخرى .

أ – يـوسيفـوس : مع أن المعروف عن هذا الكاتب الذي عاش فى حوالي 37 – 98 م أنه كان يهدف أحيانا إلى تحوير الحقائق التاريخية لخدمة أغراضه الدفاعية وغيرها ، إلا أن وصفه للأسينيين يحمل في طياته الدليل على أنه وصـف صادق من شاهد عيان . وأول ما جاء عنهم فى كتاباته ( الحرب – الجزء الثاني – الفصل الثامن ) هو ما ذكره في مؤلفه الذي كتبه عقب سقوط أورشليم ( 70م ) كما توجد إشارات كثيـرة إلى الأسينييـن في أجزاء مختلفة من مؤلفاتـه الأخرى ، بالإضافة إلى ما جاء عنهم في كتابه " تاريخ اليهود " الذي كتبه فى حوالي 60 م.
كتب يوسيفوس في سيرته الذاتية ، أنه كجزء من دراسته للثقافة اليهودية – انضم إلى جماعة من البرية يتزعمها رجل اسمه بانوس ، مكث معه ثلاث سنوات قبل أن يعود إلى أورشليم وينضم إلى الفريسيين وسيظل موضوع تتلمذ يوسيفوس على يد الأسينيين موضع شك، وبخاصة في ضوء شروط الأسينيين التي وضعوها لمن ينضم إليهم . وأكمل رواية ليوسيفوس عن الأسينيين هي ما جاء فى كتابه " حروب اليهود " الذي يذكر فيه أن هذا الفريق الثالث من الفلاسفة كان يعتنق نظاما أضيق من الفريسيين والصدوقيين ، كما كان لهم مشاعر أقوى من نحو رفقائهم . وقد رفضوا المسرات الدنيوية باعتبارها شرا ، كما اعتبروا كبح جماح النفس وضبط الانفعالات من الفضائل ورفضوا الزواج مفضلين تربية أبناء الآخرين ليشكلوهم حسب أنماط حياتهم . وبينما لم ينكروا على الآخرين الزواج ، فإنهم اعتبروا أن موقفهم من الزواج هو الموقف الشرعي الوحيد أمام انحلال النساء وعدم أمانتهن بوجه عام.

ويستمر يوسيفوس في وصف حياة الشركة عند الأسينيين التى قامت على أساس أن امتلاك الثروة أمر مكروه ، وكانوا يطلبون ممن ينضمون إليهم أن يأتوا بكل ما يمتلكون ليصبح جزءا من ممتلكات الجماعة كلها ، حتى تختفي مظاهر الفقر أو الغنى بين الجماعة . وكان يقوم على تدبير شئونهم وكلاء يعينون لهذا الغرض بهدف خير الجماعة كلها . وواضح أن الأسينيين لم يكونوا مجتمعا منفصلا ، بل كانوا يفضلون الاندماج في المجتمع بكل مستوياته ، فكانوا يوجدون في كل مدينة كبيرة ، وكانوا يلقون قبولا حسنا عند جموع الشعب اليهودي .
وكان لتقوى الأسينيين أثر قوى فى يوسيفوس ، فيتحدث بشيء من الإضاب عن عاداتهم في العبادة والخدمة . وكانوا يبدأون يومهم قبل الفجر بالصلاة ، ثم يتفرقون ليقوم كل عضو منهم بمختلف الأعمال الدنيوية المؤهل لها ، وكانوا مشهورين بأمانتهم ودقتهم وضميرهم الحي في القيام بواجباتهم . وفى منتصف النهار يستحمون بالماء البارد ثم يجتمعون فى قاعة الطعام ليتناولوا جميعا طعاما بسيطا بعد الصلاة ، ثم يستأنفون أعمالهم . وفي المساء يكررون ما فعلوه في الظهيرة من الاستحمام وتناول الطعام .

ومما يدل على دقة نظام الجماعة ، عدم وجود صراع أو شغب . وكان الشيء الوحيد المتروك للحرية الفردية هو تقديم المعونة للمحتاجين والقيام بأعمال الرحمة . ومع أنه لم يكن مسموحا بأن تغتصب الرحمة مكان العدالة ، فقد كان الأسينيون مشهورين بالأمانة والإستقامة والإنسانية ، وقلما كانت الظروف تستدعى إجراءات العدالة الصارمة ، مع كل هذه المميزات التي اشتهروا بها . وكان الانضمام لهذه الجماعة يستلزم أن يقضي المبتدئ سنة تحت الاختبار ، يلزم أن تظهر خلالها كل السجايا التي تهدف إليها الجماعة ، وعندما يثبت أنه تتوفر فيه المؤهلات اللازمة ، يقبل بعدها رسميا في جماعة الأسنيين ، وعند ذلك يجب أن يتعهد بقسم أن يكون أمينا وتقيا نحو الله ، وعادلا نحو الناس ، وبعد ذلك يسمح له بالاشتراك في طعام الجماعة كعضو معترف به تماما فى الجماعة .
وتتضح صرامة النظام عند الأسينيين ، في العقوبات الموضوعة للتعديات الكبيرة ، فكان المذنبون يعزلون من بين الجماعة ، لأنهم كانوا مقيدين بعهود موثقة بأقسام ، بعدم تناول الأطعمة العادية ، فإنهم كانوا يتضورون جوعا قبل أن يستعيدوا أماكنهم بين الجماعة ، وكثيرا ما كان يتم هذا بدافع الشفقة لاغير . وكانت حياتهم المشتركة تسير تحت أشراف عدد من الشيوخ الذين كانوا يفرضون الوقار الدقيق في الاجتماعات العامة .

ويقول يوسيفوس إن الأسينيين كانوا يعتقدون أن الجسد فان ، أما النفس فخالدة ، وهو ما يضفي صبغة أفلاطونية على تعاليمهم ، إذ كانوا يرون أن الجسد ليس إلا سجنا للنفس ، تنطلق منه حرة عند الموت لتطير إلى السموات . وكان المجتمع الأسيني يراعي بكل دقة الكف عن العمل فى أيام السبت والانقطاع للعبادة . وكان احترامهم الكبير لموسي – مشرعهم- يقتضيهم أن يعكفوا على دراسة التوراة وتنفيذ ما فيها . واشتهر بعض الأسينيين بعمق بصيرتهم في نبوات العهد القديم ، وبمقدرتهم على التنبؤ بأحداث مازالت في طي المستقبل .ويقول يوسيفوس أن حزبا من الأسينيين انشق عن العقيدة العامة في موضوع الزواج . وقد جعل هذا الحزب من الزواج وسيلة لانجاب النسل أكثر منه لاشباع اللذة الجنسية، معتقدين أن باقي الأسينيين – بامتناعهم عن الزواج – يحرمون أنفسهم من " الجانب الأساسي في الحياة البشرية " ، أى استمرارية تعاقب النسل ، مدعمين موقفهم بالحجة القاطعة، بأنه إذا اعتنق كل فرد ما يعتنقه سائر الأسينيين من الامتناع عن الزواج ، لانتهى الجنس البشري .
ويقدم لنا يوسيفوس في تاريخه ، صورة موجزة لتعاليم الأسينيين وعاداتهم ، فيصفهم بأنهم يعتقدون بخلود النفس ، وحتمية ارجاع كل الأمور إلى الله . وكانوا مستقلين عن عبادات الهيكل إلى حد بعيد ، ولأنهم كانوا يعتبرون أن بعض شعائرهم الدينية أطهر من شعائر كهنة الهيكل ، فلم يكن لهم الحق في ارتياد فناء الهيكل ، ورغم ذلك كان الأسينيون يشتهرون بأنهم يزيدون في فضائلهم وبرهم عن الكتبة والفريسيين . وفى الوقت الذى كان يوسيفوس يكتب فيه، كانوا على العهد بهم ، وكان سبب هذه الحالة الروحية العالية – فى نظر يوسيفوس – هو حياتهم المشتركة .


ب – بلينـي الكبيـر : وهو مؤرخ آخر من مؤرخى القرن الأول الميلادي ، وقد تحدث عن حياة الأسينيين وسلوكهم . وكان بلينى رفيقا لفسباسيان في الجيش ، ولعله سار مع الفرقة العاشرة في وادي سنة 68 م . وفى تاريخه الطبيعى – الذى أكمله فى سنه 77م – كتب وصفا طبوغرافيا للجانب الغربي من البحر الميت مبتدئا من أريحا ومنتهيا بقلعة ماسادا التى كانت تحمى التخم الجنوبي لليهودية . وفي هذا الحديث يذكر جماعة دينية كانت تعيش بالقرب من واحة بها أشجار نخيل ، ولعل هذه الجماعة هي جماعة قمران التى كانت تزرع بعض المحصولات فى واحة " عين فشقة " . ويذكر بليني موقعها – فى عبارة عابرة – بأنها تقع على " الجانب الغربي للبحر الميت – ولكن شمالي عين جدي " . ويقول عن هذه الجماعة : أنها " الجماعة المنعزلة من الأسينيين " التى اشتهرت بالزهد في النساء والأشياء العالمية . وقد تأثر بليني كثيرا بوفود أعداد ضخمة من المتعبين في الحياة إلى هذه الجماعة التماسا للسير حسب القواعد الصارمة للحياة التى يطلبها الأسينيون من أتباعهم . ومع أن عبارة بليني تبدو من قبيل البلاغة ، إلا أنه من الواضح أنه اعتبر جماعة قمران نوعا من الأسينيين .


ج – فيلــو : نجد فى كتابات فيلو – وهو يهودي إسكندري ( حوالى 20 ق . م ، 5 م ) معلومات أكثر عن الأسينيين عموما ، في مؤلفين من مؤلفاته . وواضح أنه يستند على مرجع معين . وقد كتبها في مصر قبل 50 م والوصف الواقعي الذى سجله لنا فيلو ، يمكن اعتباره مرجعا هاما عن الأسينية الفلسطينية في العقود الأولى من العصر المسيحي ، ولكن أقواله قابلة للمناقشة ، حيث أنه كان يدافع عن فكر معين عند كتابته عن الأسينيين ، فكان موقفه محكوما باعتبارات أدبية ، فقد كان يستخدم قومه مثالا لإثبات افتراضه بأن الفضيلة لم تمنح كلية من العالم اليوناني المعاصر .
وقدر عدد الأسينيين في فلسطين بما يزيد على 4.000 كما فعل يوسيفوس بعد ذلك ، وزعم أن اسمهم مشتق من الكلمة اليونانية " هوزيوتس " أى " القداسة " ، وهو ينسب هذا اللقب لا إلى إتباعهم فرائض مذهبية ، بل إلى تعميم الأسينيين أنفسهم على خدمة الله خدمة مكرسة وكذلك تقديس أفكارهم . ويذكر فيلو تفضيل الأسينيين للحياة فى القرى عنها فى المدن، حيث أن المدن أقوى أثرا في إفساد الشخص الذى يسعى أن يحيا حياة روحية صادقة . كما لاحظ مثابرتهم على العمل اليدوي ، وتعجب من الطريقة التى جردوا بها أنفسهم من كل ثروة أو ممتلكات شخصية معتبرين القصد فى الأنفاق والقناعة هما أعظم الغنى . كما استلفت نظر فيلو ، موقف الأسينيين المسالم فلم يقوموا بصناعة الأسلحة أو الأتجار فيها ، والانسجام مع هذا الرفض لكل الصناعات الحربية ، كان تحريمهم لكل أنواع الرق والعبودية حيث كانوا يؤمنون بالتبادل الحر للخدمات ، وأن من يقتنون عبيدا ، يكسرون ناموس المساواة بين الناس.

كان الأسينيين شديدى التمسك بقوانين الأسلاف التى وصلتهم بإعلان سماوي ، فهى بالغة الأهمية للإيمان والسلوك . وبناء على ما يقوله فيلو ، كان الأسينيون يتمسكون بحفظ الأحكام الأخلاقية للتوراة حفظا دقيقا ، مظهرين محبتهم لله بطرق مختلفة مثل الطهارة الدينية والامتناع عن الحلف ، ومحبة الفضيلة والتحرر من الاستعباد للممتلكات المادية ، وضبط النفس ، والقصد فى الانفاق والتواضع والقناعة . وكان احترامهم لرفقائهم يبدو فى أعمال المحبة والرحمة ، وفى احساسهم القوى بالمساواة بين الأفراد ، وروح المشاركة الواضحة . وكانت حياتهم المشتركة بالغة الأهمية إذ لم يكن لها نظير فى أى مجتمع آخر . فكانت ثيابهم وطعامهم ملكا مشتركا للجميع ، وكان كل أجر يحصل عليه أى واحد منهم ، يوضع فى صندوق الجماعة حتى ينتفع به الجميع كل حسب الحاجة . وكان الأصحاء يرعون المرضي وكانت تكاليف العلاج تدفع من مدخرات الجماعة ، وكان الشيوخ بينهم موضع الاحترام والتكريم بالنسبة لسنهم ، فكانوا يجدون كل تقدير ومعاونة فى سنوات ضعفهم .

ويؤكد فيلو – مثلما يؤكد يوسيفوس – المكانة الكبيرة التى كانت لدراسة الأسفار الإلهية فى دوائر الأسينيين ، وكيف كانوا يراعون أيام السبوت ، فقد كانوا يتخلون عن كل عمل فى ذلك الوقت ويذهبون إلى أماكن مقدسة يسمونها " مجامع " حيث يصطفون فى صفوف حسب أعمارهم ، فكان الصغار يجلسون فى أماكن خلف شيوخهم . وفى خلال العبادة ، كان أحدهم يقرأ جزءا من الأسفار الإلهية ، ثم يقوم بعده شخص مقتدر ليفسر بطريقة مجازية أى شيء عسر الفهم فى الجزء الذي قرئ . ويذكر فيلو أن الأسينيين كانوا يتدربون على القداسة والتقوى والعدالة والسلوك العائلي والاجتماعي . ولخص معتقداتهم وممارساتهم فى عبارات ثلاث ، هى : محبة الله ، محبة الفضيلة ، ومحبة الناس .

وفى المؤلف الثاني لفيلو ، " الغرض " يعلق على اجتهاد الأسينيين وانكبابهم على العمل ، كما ذكر ملكيتهم المشتركة لكل شيء من أمتعة وأموال ، كما يعلق على اصرارهم على حياة البتولية على أساس أن النساء والأولاد يعملون على تحويل الجماعة عن الهدف المعلن وهو الوصول إلى الصلاح والحق . وكانوا يعتقدون أن النساء اللواتي لهن أبناء ، هن خطر شديد ، حيث أنهن يملن – بدون أى وازع من ضمير – إلى استخدام أبنائهن وسيلة لتنفيذ إرادتهن على الآخرين بصورة تعكر صفو الوحدة الروحية للجماعة .

وفى كتاب آخر عنوانه " عن الحياة التأمل " ، يوجه فيلو اهتماما خاصا إلى نشاطات جماعة دينية أخرى تحمل بعض وجوه الشبه الضعيفة للأسينيين . كانت هذه الجماعة تعرف باسم " الأساة أو المداوين " . وقد ازدهرت هذه الجماعة فى مصر على مدى قرنين من الزمان ، قبل بداية العصر المسيحي وكان جماعة الأساة ينتظمون على أسس رهبنة الأديرة ، ولكنهم فى الواقع كانوا نساكا متوحدين شغلوا كل وقتهم بالصلاة والتأمل ودراسة كتبهم المقدسة ، ولا يجتمعون إلا للعبادة كجماعة فى أيام السبوت والمواسم المقدسة . ويقول فيلو إن " الأساة " يصلون مرتين يوميا ، فى الفجر وفى الغسق ، ويصرفون باقى اليوم فى التأمل وقراءة العهد القديم وتفسيره تفسيرا مجازيا . وعلاوة على هذه الدراسة كانوا يؤلفون الترانيم والمزامير فى خلوة صوامعهم .
وفى يوم العبادة من كل أسبوع كان " الأساة " يجتمعون بترتيب أعمارهم ، ويستمعون إلى حديث يقدمه لهم أحد شيوخ الجماعة ، ثم يعودون إلى صوامعهم للتأمل والدراسة . وكانت النساء تشكلن جزءا من هذه الجماعة ، وكنا يخضعن لنفس نظام الحياة ، مثل الرجال . وكان ضبط النفس هو أساس فلسفتهم فى الحياة ، ولكنه – من بعض الوجوه – لم يكن فى صرامة ضبط النفس عند الأسينيين فى فلسطين لعوامل مناخية وغيرها . ومع أن " الأساة " قد يمثلون مرحلة متأخرة من جماعة يهودية من قبل العصر المسيحي ، ولعلها كانت هى أصل الأسينيين ، إلا أنهم قد يكونون من أصل آخر . وعلى أى حال فإن وجوه الشبه بين الأسينيين " الأساة " تجعل للأساة اعتبارا كبيرا فى دراسة الأسينيين الفلسطينيين .


د – هيبوليتــس : يمكن إيراد شهادة كاتب مسيحي هو هيبوليتس ( 170 – 230 م ) كإضافة هامة لشهادة يوسيفوس وفيلو عن الأسينيين ، ففى مؤلفه " تفنيد كل الهرطقات " علق على المحبة المشتركة التي يتميز بها الأسينيون ، وقد ذكر هيبوليتس ، فى ملحوظاته عن الذين استنكروا الزواج ، أنهم لايسمحون – بأى حال من الأحوال – بدخول المرأة فى زمرتهم، حتى عندما تتقدم لتصير راهبة وتبدى كل الدلائل على عزمها على الاندماج فى الحياة الجماعية على نفس الأسس الملزمة للرجال . ولكنهم كانوا يتبنون أولادا صغارا ويربونهم على المبادئ الأسينية ، ولكنهم لم يكونوا يمنعونهم من الزواج متى أرادوا ذلك فيما بعد .
أما المبادئ التي كانت تحكم الشئون المالية فواضحة فى ملحوظات هيبوليتس ، فبينما كان الأسينيون يحتقرون الثراء ، إلا أنهم لم يعترضوا إطلاقا على اقتسام ممتلكاتهم مع المحرومين الذين كانوا يقصدونهم التماسا للعون . فعند الانضمام لجماعتهم ، كان يطلب من الراهب المبتدئ أن يبيع كل ما يملك ، وأن يقدم الثمن لرئيس الجماعة الذى كان مسئولا عن توزيعه حسب حاجة كل فرد ولاحظ هيبوليتس امتناع الجماعة عن استخدام الزيت على أساس أنه ينجس المدهون به .

وكان سلوك الجماعة محكوما بقواعد صارمة استلفتت نظر هيبوليتس كما استلفتت أنظار الكتاب الأوائل . كان الأسينيون يعيشون ويعملون تحت إشراف الشيوخ أو المراقبين ، وكان عليهم أن يحيوا حياة ضبط النفس الصارم ، فلم يكن يسمح مطلقا بأي إخلال بالنظام ، وكان الحلف أمرا خطيرا بصورة خاصة ، حيث كان كل ما يقوله الواحد منهم ملزما أكثر مما لو أقسم عليه ، فكان القسم – على الدوام – يقلل من قدر المقسم فى نظر الجماعة ، كما يقلل من الثقة فيه أو الاعتماد عليه .

وشروط الانضمام لهم – كما يرويها هيبوليتس – هى بعينها التى يذكرها غيره من الكتاب ، وإن كانت توجد بعض الاختلافات فى التفاصيل ، مثلما فى ملحوظته عن المبتدئين ، وكيف كان يعيش الذين يريدون الانضمام للجماعة ، فى أثناء السنة الأولى ، فى بيت منفصل عن مكان التقاء الجماعة ، ولو أنهم كانوا يأكلون من نفس الطعام ويراعون نفس القواعد للحياة . ويبدو أن هيبوليتس اعتقد بأن فترة الإعداد كانت سنتين وليست ثلاث سنوات كما ذكر يوسيفوس وقد كان يوسيفوس المصدر الذي استقى منه هيبوليتس الكثير من معلومات عن العهود التى كان على المبتدئ أن يقطعها على نفسه للإنضمام للجماعة ، والطوائف المختلفة التى كان ينقسم إليها الأسينيون ، والعقائد اللاهوتية التى كانوا يعتنقونها . ومن المحتمل جدا أن هيبوليتس استخدم مصدراً آخر لمعلوماته ، حيث توجد بعض الاختلافات الهامة بين وصفه للأسينييـن ووصف يوسيفـوس لهم . فقد اعتبـر هيبوليتـس " الغيوريين " أو "السيكاريين" ( أى أصحاب الخناجر أو المغتالين ) فرعا من جماعة الأسينيين . وفى وصفه لممارسات الأسينيين الدينية ، أغفل الإشارة إلى ما يزعمه الآخرون من التعبد للشمس فى الفجر كجزء من عباداتهم الصباحية . والأكثر من هذا ، أنه بينما ينسب يوسيفوس للأسينيين – ككل – العقيدة الهيلينية من أن الجسد يشكل سجنا للنفس لاتنطلق منه إلا بالموت ، فإن هيبوليتس يذكر أن الأسينيين كانوا يعتقدون بقيامة الجسد كما يعتقدون بالطبيعة غير المادية والخالدة للنفس ، وأنهما كليهما سيتحدان مرة أخرى فى يوم الدينونة . وفى ضوء هذه الاختلافات ، يبدو أن هيبوليتس كان يستقى معلوماته من مصدر أقرب لحقائق الموقف من ذلك الذى استقى منه يوسيفوس .



3- تاريـخ الأسينييـن :
لا نستطيع أن نرسم صورة دقيقة لتاريخ الأسينيين ، وذلك لقلة المعلومات المتاحة لنا ، كما أنه للصعوبات التي تكتنف تفسير بعض المراجع ، لا يمكن الاجماع على رأى علمي قاطع عنهم . على أى حال هناك أسباب وجيهة لافتراض أن الأسينيين نشأوا أصلا بين " الحسيدييـن " أي " الأمناء " ( 1مك 2 : 42 ، 7 : 13 ) ، فقد كانوا غيورين للناموس اليهودي فى عصر كانت الأفكار الهيلينية والأنماط الهيلينية للحياة ، تجتاح أرض فلسطين فى بكور القرن الثاني قبل الميلاد ، وقد تحول هذا الموقف تحولا خطيرا فى عهد حكم سلوقس الرابع ( 187 – 175 ق . م ) ابن أنطيوكس الكبير وخليفته ، عندما حدث نزاع بين رئيس الكهنة أونياس الثالث وسمعان رئيس حرس الهيكل مما جعل سلوقس ينهب خزائن الهيكل لأنه كان يريد أن يسدد شيئا من الديون التي استدانها أنطيوكس فى أثناء حربه ضد الامبراطورية الرومانية ، وقد أدى كل ذلك إلى ازدياد التوتر فى اليهودية بين اليهود الأرثوذكس وأولئك الذين استسلموا لخداع الهيلينية ، فقد كان أولئك – بزعامة سمعان وأخيه منلاوس – يؤيدون السلوقيين ، بينما كان اليهود الأرثوذكس موالين لأونياس الثالث ويتطلعون إلى مصر لمساندتهم ، فقاوموا زحف الهيلينية بقوة ، واثقين أن معتقداتهم الدينية التقليدية ، لا علاقة لها بالثقافة الهيلينية المملوءة بالشكوك والإلحاد والانحلال الخلقي .
وعندما أصبح يشوع – أخو أونياس الثالث الأصغر – قائدا للحزب المؤيد للهيلينية فى أورشليم، واتخذ لنفسه الاسم اليونانى " ياسون " ، أقنع أنطيوكس الرابع " أبيفانس " الذى خلف سلوقس الرابع فى سنة 175ق . م بخلع أونياس وتعيين ياسون رئيسا للكهنة . وتم الاتفاق على ذلك بشرط أن ينجح ياسون فى تحويل أورشليم للهيلينية فى أسرع وقت ممكن ، وهو ما بذل فيه ياسون غاية الجهد ، فقام الحسيديون بثورات عنيفة احتجاجا على ذلك الأمر ، وكان بعضها موجها إلى كهنة الهيكل .

واشتعلت نيران العداء مرة أخرى فى سنة 168ق . م عندما عزم أنطيوكس أبيفانس على محو الديانة اليهودية ، وجعل اليهودية موطنا للمؤيدين للهيلينيين ، فأصدر مرسوما ملكيا بإزالة كل ما يمت لليهودية بصلة ، فدنس الهيكل وأحرق كتب الناموس المقدسة ، ومنع تقديم الذبائح اليهودية ، واستبدلها بالطقوس اليونانية الوثنية ، وأجبر الشعب على الأشتراك فيها وإلا تعرضوا للقتل ، ففضل الكثيرون من الحسيديين الفرار إلى الصحراء ، عن التصدى للسلطات السورية ، ولكن العداء المستحكم من جانب الحزب الهيلينى ، لم يترك لهم خياراً ، فهلك عدد كبير من الحسيديين فى مذبحة سنة 167ق . م وعندما تبلورت المقاومة النشطة فى مودين بقيادة متياس ، انضم الباقون من الحسيديين إلى العصابات المسلحة ، وحاربوا إلى جانب يهوذا المكابي بن متياس ، وعقب نجاح الثورة المكابية وعقد معاهدة مع ليسياس ، استعادوا بمقتضاها حريتهم اليهودية ( 1مك 6 : 59 ) دخلت الأمة إلى مرحلة جديدة ، حيث بدأ الصراع على السلطة بين حلفاء الثورة . وبينما كان مازال فى اليهودية حزب هيليني قوي ، فإن السواد الأعظم من الشعب كان يؤيد المكابيين الذين أصبحوا يعرفون باسم عائلتهم " الأسمونيين " والذين برزوا فى النهاية كالحزب السياسي الغالب الذي له أهداف قومية معلنة .

وفى خلال هذا الصراع على السلطة ، ظهرت الطوائف الدينية الكبرى الثلاث : الصدوقيون والفريسيون والأسينيون ، وكانت تراودهم جميعا الطموحات الروحية التي اشعلت الثورة المكابية ، أى أن يكون لليهود وجود قومي كوحدة قائمة بذاتها بين عالم الأمم ، وأن يحفظوا ناموس موسى بالتدقيق وكان الصدوقين هم جماعة الكهنة ولهم تمثيل قوي فى الدوائر الدينية ذات النفوذ ، وحظوا بتأييد الحكام الأسمونيين حتى عهد ألكسندر سالومي (76-67 ق.م) الذى فضل عليهم الفريسيين ثاني أكبر الأحزاب فى اليهودية .

وقد حظي الفريسيـون بالتأييـد الشعبي فى عهد يوحنا هركانوس الأول (134-104ق. م) ، ولكن ظل وضعهم السياسي غير مستقر إلى أن بدأ حكم ألكسندر سالومي، فحصلوا على مركز السيادة فى السنهدريم . ويبدوا أن الفريسيين والأسينيين قد نشأوا من الجماعات المتنافسة من الحسيديين الثوريين الأوائل ، ولعل الانقسام الحقيقي حدث بينهما فى سنة 141ق . م عندما صدر مرسوم فى اليهودية باعتبار سمعان هو الوارث لمركز رئيس الكهنة وحاكم الشعب اليهودي ( 1مك 14 : 41 ) ، ومن هنا يمكن تعليل وجوه الشبه الكثير بين الفريسيين والأسينيين ، بناء على أصلهم المشترك . وكان الفريسيون – بلا شك – يشكلون الأغلبية ، وسعيهم الدائب نحو أهداف سياسية فى اليهودية ، حرر الأسينيين من كل وهم ، فقد يئسوا من الناس ورأوا أن الطريق الوحيد للخلاص هو التدخل الإلهي الإسخاتولوجى . ويذكر التقليد اليهودى أن الأسينيين ظلوا نشطين فى أورشليم إلى زمن أرستوبولس الأول ( 104-103ق . م ) كما يذكر يوسيفوس . ولكن عندما مات ألكسندر بانياس فى سنة 76ق.م اختلف الأسينيون اختلافا حادا مع الأسمونيين ، وأصبحوا شديدي النقد للأهداف السياسية التي تسعى وراءها سائر الأحزاب فى اليهودية ، فانسحبوا – إلى مدى بعيد – من الحياة العامة ، وقد حدث ذلك فى نفس الوقت الذي بدأ فيه نجم الأسمونيين فى الأفول عندما اعتلى أرستوبولس الثاني العرش فى سنة 67 ق . م .

ولعل سلسلة المحاولات الفاشلة التى قام بها الأسمونيون لخلع أسرة هيرودس ، قد أنعشت الآمال التقوية عند الأسينيين وبخاصة فى زمن هيرودس الكبير ( 37ق . م – 4م ) ، وكانت أكبر المشاكل السياسية التي واجهها هذا الحاكم هو مقاومة الشعب لدعواه فى أنه الحاكم الشرعي لليهودية ، وقد فعل ذلك استنادا إلى قوة روما العسكرية من جانب ، ومن الجانب الآخر مصالحة العناصر المعارضة للأسمونيين ، مثل الأسينيين ففي حركة سياسية بارعة أعفي الأسينيين وبعض الفريسيين من أن يقسموا يمين الولاء التي فرضت على اليهود فى الفترة الأولى من حكمه ، وهكذا منح الأسينيين نوعا من الحرية الدينية التى لم يسبق منحها لأحد . ومن المحتمل جدا أنهم عادوا إلى أورشليم إذ حصلوا من هيرودس على الأمان ، وأن مفاهيمهم الناموسية الخاصة لن تتعرض للسخرية من جانب كهنة الهيكل والأرجح أنه فى ذلك الوقت قام الأسينيون بتنفيذ برنامجهم فى نشر تعاليمهم ، وهكذا تأسست المجتمعات الأسينية فى كل القري والمدن الصغيرة فى اليهودية ، والإشارة الوحيدة لوجودهم فى أورشليم هى العبارة التي أطلقت على أحد مداخل المدينة فى السور الجنوبي : " بوابة الأسينيين" ( يوسيفوس – الحروب اليهودية – الجزء الخامس 4 : 2 ) .


ولابد أن العلاقات الطبية التي كانت بين هيرودس والأسينيين كانت معروفة جيدا فى زمن يوسيفوس ، ولو أنه لا شك أيضا فى أن الأسينيين كانوا ينظرون - بوجه عام – نظرة عدم الرضي إلى أعمال هيرودس الكبير . ومهما كان الأمر فقد شغل أحد الأسينيين مركزا فى البلاط الملكي فى الفترة التي أعقبت موت هيرودس (تاريخ يوسيفوس –الجزء السابع- 13: 3) وفى سنة 66م عندما نشبت الحرب مع روما ، كان أحد قادة اليهود من الأسينيين واسمه يوحنا . وسجل يوسيفوس أن الكثيرين من الأسينيين استشهدوا بناء على أوامر آسريهم الرومان ، أما الباقون فلعلهم ظلوا يقاومون روما مقاومة متقطعة إلى أن قضي على ثورة باركوكبا فى سنة 135م . ولكننا لا ندري – على وجه اليقين – شيئا عن دورهم فى تلك الثورة ولو أن من المحتمل أن باركوكبا نفسه كان أسينيا . وفى النهاية لابد أن الأسينيين قد امتصتهـم الجماعات اليهوديـة المسيحية أو الجماعـات اليهودية الأخرى التى نجت من الثورة اليهودية الثانية .


وهناك جماعة أخرى ازدهرت فى نفس عصر الأسينيين ، وكانت بينهم وبين الأسينيين وجوه شبه كثيرة ، وهى الجماعة المعروفة باسم " متعاهدي دمشق " وقد اكتشف وجود هذه الجماعة من التنقيب فى خزانة أحد المجامع بالقاهرة فى سنة 1896م . وقد نشرت بعض المخطوطات التى وجدت بها تحت عنوان : " شذرات من مؤلف صدوقي " . وهى وثيقة تروى مصير جماعة من الكهنة فى أورشليم يبدو أنهم كانوا جزءا من حركة إصلاح ، وكانوا يسمون أنفسهم " أبناء صادوق " ، وبقيادة شخص اسمه " الكوكب " انتقلوا إلى مكان أسموه " دمشق – وقد يكون هو مدينة دمشق التاريخية أولا يكون – وهناك انتظموا فى حزب أو جماعة تعرف باسم " جماعة العهد الجديد " ، وقد اندمجوا فى حياة رهبانية تحت قيادة قائد مشهور أطلقوا عليه اسم " المعلم البار " وازدهرت الجماعة لنقدها لطموحات الفريسيين الدنيوية والسياسية ، وبدرجة أقل لنقدها للصدوقيين أيضا ورغم ذلك احتفظت هذه الجماعة بصلتها الوثيقة بالهيكل فى أورشليم كما تدل " الشذرة الصدوقية " ، فقد ظلوا يعتبرون أورشليم مدينتهم المقدسة وأن الهيكل هو مقدسهم الصحيح . وتظهر مشابهتهم للأسينيين بوضوح فى إصرارهم على الولاء لناموس موسي ، ولزوم التوبة كشرط للدخول إلى جماعة العهد ، والتأكيد على السلوك المستقيم والاهتمامات الإنسانية وسائر الأمور التى يعتز بها الفكر الأسيني .

وعندما كان الأثريون ينقبون فى كهوف قمران ، كشفوا عن بعض القطع من المخطوطات فى الكهف السادس ، وجدت مطابقة لجزء من " الشذرة الصدوقية " وقد تأيد هذا الكشف أيضا بالكشف فى الكهف الرابع عن سبع قطع من المخطوطات تحتوى على أجزاء من " الشذرة الصدوقية " وإذا جمعنا بين كل هذه المصادر ، فإننا نجدها تدل على وجود صلة وثيقة بين الجماعة الدينية التى كتبت مخطوطات قمران ، والجماعة التى خلفت لنا " الشذرة الصدوقية " وبناء على الشبه الشديد بين القيم الدينية ، اعتبر الكثيرون من العلماء أن النظامين متطابقان فى طبيعتهما ، وقالوا إنه من المحتمل أن جماعة دمشق قد عاشت فى قمران على مدى خمسة وسبعين عاما قبل ختام فترة الاحتلال الأولى ، ثم انتقلوا بعدها إلى دمشق .

ويعتقد كثيرون ممن يعتبرون جماعة دمشق جزءا من الأسينيين ، أنه من المحتمل أنهم رجعوا إلى أورشليم بناء على نوع من الاتفاق ، فى عهد هيرودس الكبير ، ومن ثم عادوا إلى قمران بعد موته ، ولكن لايوجد دليل قاطع على ذلك كما يحوم بعض الشك حول اعتبار أصحاب " الشذرة الصدوقية " من الأسينيين حقيقة ، وذلك لتأكيدهم على الذبائح الحيوانية ، ولكنهم كانوا ينتمون – بلا شك – لحركة الحسيديين ، ومن الواضح أنهم اعتبروا أنفسهم أبناء صادوق الحقيقيين . وتوجد بعض العناصر المشتركة فى عقيدتهم وعقيدة الصدوقيين ، وإن كانوا يختلفون عنهم فى إيمانهم بالخلود ( الشذرة الصدوقية 13: 27 ، 14 : 1 ، 5 : 6 ) ، وبظهور المسيا ( الشذرة 2 : 10 ) ، واعترافهم بالنبوات والكتابات المقدسة ( هاجيو جرافا ) . وكانوا – مثل الفريسيين – يعترفون بوجود كائنات سماوية ( الشذرة 6 : 9، 9 : 12 ) ، وبالتعيين الإلهى السابق ( الشذرة 2 : 6 ، 10 ) ، والإرادة الحرة ( الشذرة 3 : 1 و2 ، 4 : 2 و 10 ) ومن الناحية الأخرى كانوا يحرمون الطلاق ( الشذرة 7 : 1 و 3 ) ، واعتقدوا أن الفريسيين دنسوا الهيكل بما كانوا هم يعتبرونه شذوذا جنسيا ( انظر الشذرة 7 : 8 و 9 ) .

وقد أدى التنقيب فى خرائب أحد مقارهم فى قمران ، وما اكتشف من مخطوطات فى الكهوف المجاورة ، إلى دراسة طبيعة الجماعة الدينية ، التى عاشت فى تلك البقعة . وقد أمدتنا إحدى لفائف البحر الميت " قانون الجماعة أو كتاب النظام " ( مخطوطة من الكهف الأول ) بأغلب المعلومات عن تكوين وتنظيم جماعة قمران ، وواضح أنها نشأت كجزء من حركة الحسيديين ، وتبلورت بعد زمن أنطيوكس الرابع ( أبيفانس ) عندما أصبحت رياسة الكهنوت والسلطتان المدنية والعسكرية فى يد الأسمونيين ، فانسحبت جماعة قمران ، تحت قيادة " المعلم البار " إلى برية اليهودية احتجاجا على " زمن الشر " ، ونظموا أنفسهم " كجماعة عهد " لإعداد الطريق للمجئ الإلهى فى العصر الجديد . وكان من أهم ما يميز موقفهم هو رفضهم العلنى للاعتراف بكهنوت أورشليم ، وقد جاء فى تفسيرهم لحبقوق ، حديث عن " الكاهن الشرير " ، والأرجح أنه كان أسمونيا أظهر عداء خطيرا لتلك الجماعة وقائدها . وواضح أن هذه الجماعة احتفظت بجماعة من الكهنة واللاويين والصدوقيين لتأدية العبادة والذبائح الناموسية فى أورشليم عندما يطرد أولئك الكهنة غير الجديرين بخدمتهم .

والخلفية التاريخية العامة لهذه الحركة هى نفسها خلفية الحركة المكابية والفترات اللاحقة بما فيها مدة حكم هيرودس الكبير . ويظن بعض العلماء أن جماعة قمران – ويعتبرون من الأسينييـن فى حقيقتهـم – نقلوا دائرة عملهـم إلى أورشليـم ، حتى عادوا إلى قمران بعد موت هيرودس .
ويبدو من " كتاب النظام " أن جماعة قمران عاشت حياة مشتركة فى تكريس صارم وطاعة كاملة لله ، وبينما كان يسمح للإعضاء من الجنسين بالانضمام للجماعة ، كان يلزم قضاء سنة تحت الاختبار ، وإذا توفرت شروط الجماعة فى المرشح للانضمام ، كان يسجل اسمه عضوا فى الجماعة فى نهاية السنة الثانية ( كتاب النظام 6 : 22 و 23 ) ، بعد إجراء طقوس مطولة ( النظام 1 : 18 وما بعده ) . وكان يطلب من الإعضاء فى كل سنة بعد ذلك ، تجديد عهود الولاء لمبادئ الجماعة ( النظام 2 : 19 وما بعده ) ، والعضو المهمل كانوا يذكرونه بالتزاماته ( النظام 5 : 20 وما بعده ) . وكانوا فى قمران يعطون أهمية كبيرة للتطهيرات الطقسية والولائم شبه التعبدية . ويبدو أن أتباعهم كانوا يتجنبون كل اختلاط – لا لزوم له – مع العالم الخارجى ، مفضلين العيش والعمل كجماعة معتمدة على ذاتها على النقيض من الأسينيين الذين كانوا كثيرى الاختلاط بالمجتمع وكان أتباع جماعة قمران يكرسون بعض ساعات النهار والليل للتأمل والدراسة فى الناموس . وكانوا فى تفسيرهم للناموس أكثر تدقيقا من أشد الفريسيين تزمتا ، وكانوا يفسرون الأسفار الإلهية بعبارات غامضة مثل عبارات الرؤي ، والتى كان عليهم أن يقوموا بدور هام لتحقيق مجئ العصر الجديد . وقد أعطى الله إرشادا معينا للمعلم البار بخصوص هذا العصر الجديد ، فنقل هذه المعرفة الخاصة إلى تلاميذه ، وعلى أى حال لم تتم توقعاتهم بالصورة التى كانوا يرجونها ، حيث دمر مقرهم فى الحرب سنة 66 – سنة 73 م بعد تأسيس الكنيسة المسيحية بأكثر من عشرين عاما .
والعلماء عموما يجمعون بين جماعة " الشذرة الصدوقية " وجماعة قمران على اعتبار أن كليهما من الأسينيين ، ولكن توجد بعض الفوارق الهامة بين ممارسات الأسينيين وممارسات جماعة قمران . وهذه الفوارق تسترعى النظر فواضح أن أتباع جماعة قمران لم يعتبروا أنفسهم أسينيين فى حقيقتهم ، حيث أن كلمة " الأسينيين " لاتذكر مطلقا فى لفائف البحر الميت ، وبينما كان للأسينيين جماعات فى كل قرية ومدينة فى اليهودية ، كما كانوا يختلطون كثيرا بالمجتمع حولهم ، فإن أتباع جماعة قمران نهجوا سبيل الاعتزال ولم يكن لهم أى تعامل مع الذين هم من خارج جماعتهم . والدمشقيون وكذلك أصحاب عهد قمران لم يكونوا يثقون فى المرأة – على عكس معظم الأسينيين – ولكنهم كانوا يتفقون مع الأقلية من الأسينيين الذين كانوا يوافقون على الزواج ويبدو أن فترة الاختبار عند الأسينيين كانت تمتد إلى ثلاث سنوات ، بينما لم تكن – على الأرجح – تزيد عن سنتين فى قمران . وبينما كان الأسينيون مسالمين تماما بطبيعتهم ، فإن أتباع قمران لم يكونوا كذلك إذ كانت مخطوطاتهم العسكرية دليلا على موقفهم كما أن جماعة قمران لم تكن تتوجه إلى الشمس عند الفجر ، كما كان يفعل الأسينيون حسب رواية يوسيفوس ، الذى لعله كان يشير إلى جماعة شبه أسينية هم " الساموسيون " ( نسبة إلى مدينة ساموس – 1مك 15 : 23 ) الذين كانت عندهم هذه العادة .

هذه الفوارق تكفى للدلالة على أنه بالرغم من أن كلمة " أسينيين " كانت فى مصر ما قبل المسيحية ، كلمة مطاطة ، فإن جماعة قمران يمكن اعتبارها منهم بالمعنى العام ، ولعلها كانت فى الواقع أقرب إلى بعض جماعات الكهوف التى ازدهرت فى القرن الأول قبل الميلاد ، وبناء عليه يصعب علينا فى الوقت الراهن أن نضع جماعة قمران – على وجه اليقين – فى مجرى تاريخ الأسينيين .


حياة الأسينيين : والآن لنحاول أن نعطى موجزا لأسلوب حياة الاسينيين من المصادر المعروفة لنا :
كان السواد الأعظم من الأسينيين ينتشرون فى كل قرى اليهودية متجنبين الإقامة فى المدن الكبيرة لتلوثها بعناصر أممية ، وكان من الأمور المميزة للأسينيين مراعاتهم الشديدة لقواعد الطهارة المذكورة فى التوراة . وكذلك تمسكهم الشديد بطهارة الحياة ، وكانوا يشتهرون بملكيتهم المشتركة لكل شئ نتيجة لمقتهم الشديد للثراء العالمي ، وكذلك لمحبتهم الشديدة لأعضاء جماعتهم ، كما كانوا يمتازون بالإحساس القوي بالمسئولية المتبادلة ، حيث كان المحتاجون يجدون كل الرعاية . وكانت حياتهم " فاشستية " ( يخضع فيها الفرد خضوعا كاملا لمصلحة المجموع ) فى طبيعتها ، فيما عدا أعمال الرحمة والإحسان ، فكان كل شئ خاضعا لإشراف المسئولين عن الجماعة . وكان الانضمام لجماعة الأسينيين كما سبق القول – يستلزم وضع المرشح لذلك ، تحت الاختبار لمدة ثلاث سنوات ، وعندما تثبت صلاحيته ، كان عليه أن يتعهد بقسم بالطاعة والتقوي ، وأى إخلال بهذه العهود كان يؤدى – كما حدث كثيرا – إلى الفرز من الجماعة . وكانت العبادة اليومية جزءا هاما فى حياة الجماعة ، فتبدأ عند الفجر بالصلاة ، كما كانوا يؤدون طقوسا خاصة فى المواسم المقدسة والأعياد . وكانت الذبائح التى يقدمونها فى مثل تلك المناسبات ، تتم داخل الجماعات الأسينية المختلفة لتشددهم فى مراعاة شروط الطهارة ، مما كان يمنعهم من الاشتراك فى العبادة مع الطوائف المختلفة فى هيكل أورشليم ، ولكن كان من عادتهم أن يرسلوا إلى الهيكل بعض الأشياء التى كرسوها لله . وكان من المتبع فى عبادتهم اليومية دراسة أسفارهم المقدسة ، وكان ذلك يأخذ صورة خاصة في يوم السبت ، فكانت دراسة الأسفار فى مثل هذه المناسبات عملا مشتركا ، مثله مثل أشياء كثيرة فى حياة الأسينيين ، حيث كانت الجماعة تجتمع فى قاعة الاجتماعات " المجمع " بحسب ترتيب أعمارهم . وكانت دراسة الكتاب تشمل القراءة ، ثم يقوم أحد المسئولين المتعلمين بتفسير الجزء الذى قرئ ، ويقول فيلو إن الأسينيين كانوا يدرسون كتبهم المقدسة لاستخراج المعانى الرمزية ، معتقدين أن المواعيد الإلهية لأنبياء إسرائيل ستتم فى عصرهم . وبعض التفاسير فى مخطوطات البحر الميت ، تلقي ضوءا على ذلك ، وبخاصة إذا كانت جماعة قمران تنتمى بأى شكل للأسينيين ، حيث أن مؤلفي هذه الكتابات علقوا على نبوات معينة ، ثم أخذوا فى تفسيرها فى شكل أحداث معاصرة أو كان حدوثها متوقعا فى المستقبل القريب .

ويبدو أن موضوع الزواج قد قسم الأسينيين إلى قسمين أحدهما كبير ، والآخر صغير . وكان القسم الكبير يشدد على البتولية كأحد الخصائص المميزة لحياة الجماعة ، بينما كان القسم الآخر يسمح بالزواج كوسيلة للمحافظة على استمرار الجماعة ، ومع أن الأغلبية لم تكن تدين الزواج كمبدأ ، إلا أنها كانت تتحاشاه لتأثيراته الضارة على الحياة المشتركة . وحيث أن الأسينيين كانوا يعتبرون أنفسهم جنودا إسرائيليين يحاربون حربا مقدسة كما كان فى أيام موسي ويشوع ، كان الزواج غير مناسب لمن يتطوعون للحرب زمنا طويلا ( انظر تث23 : 9 – 14 ) . وبالرغم من سلوكهم المتزمت ، فلا شك فى أنه كان لهم تأثير روحى كبير على الحياة اليهودية فى بداية العصر المسيحي .